
وقفة عجز أمام المشاعر
بقلم:غادة بوفخرالدين
وقفت على الرصيف المقابل أتأمل المبنى
العتيق وأتذكر؛ كيف كنت أجري و أرتمي في أحضانه وأنا صغير، الآن،
رغم مرور خمسين عاماً، مازلت أشعر أني صغير وأنا أتهيأ لدخول منزل والدي..
سرقتني الغربة ومشاغل الحياة ومتطلباتها من هداوة الأيام وصفائها،
فمنذ تخرجي من الجامعة لحقت طموحي ووجدت وظيفة الأحلام في الغربة، سافرت وتزوجت وأنجبت وكنت أزور الوطن فترة لا تتسع لتمضية وقت كاف مع والدي الذي تدهورت صحته على غفلة مني، وقد ودعته منذ سنتين وكان في أتم الصحة.
دخلت إلى المنزل وكأني داخل إلى دهليز سري، طرقت الباب وانتظرت، ففتحت لي أمي وقابلتني ببهجتها المعتادة، وبعدها دخلت إلى غرفة الجلوس وإذ بي أرى والدي في بنيته النحيلة الذي هدها الزمن ووجهه الناحل الذي نحتت عليه الأعوام أخاديد، كل أخدود يروي قصة شقاءه وأحلامه والتي جعلت مني أبا فخورا بأولاده ورجلا مسؤولا عن عائلة كبيرة.
هذا الرجل الهامد أمامي ، كان يوما يدافع بكل ما يملك كي يربينا، لم يقامر يوما كي لا يضعنا بمواجهة المجهول، وبنى لنا بيوتا، كي لا نكون بلا مأوى.
أذكر نبله وكرمه وصدقه النادر بين الرجال. أذكر قوته وشهامته وتسامحه، ورغم تشدده كان حبه صادقا. أرادنا رجالا أشداء. أراد أن يعلمنا لأنه لم يتعلم، أراد أن يعطينا كل ما لم يحصل عليه في طفولته.
أبي … اقتربت منه وقد امتلأت عيناي بالدموع، دموع حارقة، دموع العجز أمام من أعطاني الحياة ولم أستطع أن أرد له ولو جزءآ يسيرا من عطائه.
قبلته وتنشقت الأمان التي حرمتني منه غربتي، وكأني استعدت أيام كنت صغيرا ألهو تحت جناحه لا أحمل هما ولا قلقا.
آه يا دنيا ما أقساك. كيف تدمرين رجلا بهذه الصفاة؟ كيف كسرته هكذا؟ كيف أفقدته قدرته على مواجهة تحدياتك وقد كان ضرغاما لا يهاب شيئا.
قررت من يومي الأول على وصولي أن أحرص تمضية ما أستطيع من وقت وأنا أجمع رحيقا من أخباره ونظراته، وأخزنهم في ذاكرتي ليفخروا بها أولادي …
تحدثنا كثيرا وكأني أردت أن أعوض عن كل السنوات التي كنت غائبا عنه وقد ينتابني قلق رهيب لأني أعلم أني سأودعهم مجددا عائدا إلى حياتي وعائلتي في الغربة.
غادة بوفخرالدين













