
السمات السامة لدى الأطفال
بقلم: د. عبير عاطف
شهد علم النفس خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بدراسة الجوانب الخفية في تكوين شخصية الطفل، خاصة السمات التي قد تؤثر سلبًا على نموه الاجتماعي والانفعالي. ومن بين هذه الجوانب ما يُعرف بالسمات الظلامية، وهي مجموعة من الخصائص الشخصية التي تتسم بضعف التعاطف، والبرود الوجداني، والميل إلى التلاعب أو السيطرة على الآخرين. وقد كان يُنظر إلى هذه السمات سابقًا على أنها مرتبطة بمرحلة الرشد، إلا أن الدراسات الحديثة أثبتت إمكانية ظهور مؤشرات مبكرة لها في مرحلة الطفولة، مما استدعى إعادة النظر في فهمنا لتطور الشخصية منذ السنوات الأولى.
ما المقصود بالصفات السامة عند الأطفال؟
تُعرَّف الصفات السامة (Toxic Traits) في علم النفس بأنها مجموعة من السمات الشخصية غير التوافقية التي تؤثر سلبًا في تفاعل الفرد مع الآخرين ومع ذاته، وتظهر في صورة أنماط سلوكية وانفعالية مؤذية نفسيًا، دون أن ترقى بالضرورة إلى مستوى الاضطراب النفسي أو التشخيص المرضي.
وعند الأطفال، لا تُفهم الصفات السامة بوصفها خصائص ثابتة أو أحكامًا نهائية على الشخصية، بل باعتبارها مؤشرات نمائية قابلة للتشكل والتعديل، تنشأ نتيجة تفاعل العوامل البيئية والتربوية والانفعالية المبكرة.
السمات الظلامية: الإطار العلمي للصفات السامة
في الأدبيات النفسية الحديثة، تندرج الصفات السامة ضمن إطار يُعرف بـ السمات الظلامية (Dark Traits)، وهو مفهوم يشير إلى الجانب غير التوافقي من الشخصية الإنسانية. ويُعد المثلث المظلم للشخصية (Dark Triad) من أشهر النماذج التي تناولت هذه السمات، ويضم ثلاث سمات رئيسية تم تكييفها علميًا لدراسة الأطفال مع مراعاة خصائصهم النمائية.

النرجسية (Narcissism) عند الأطفال
تشير النرجسية إلى شعور مبالغ فيه بالأهمية الذاتية، وحاجة مفرطة للإعجاب والتقدير، مع ضعف القدرة على التعاطف مع الآخرين.
وعند الأطفال، تظهر النرجسية في صورة السعي المستمر للفت الانتباه، الحساسية المفرطة للنقد، الغضب عند الفشل، التقليل من إنجازات الأقران، أو الشعور الدائم بالتفوق.
وتوضح الدراسات أن النرجسية الطفولية غالبًا ما ترتبط بأساليب تنشئة غير متوازنة، مثل المبالغة في المدح أو ربط قيمة الطفل بالإنجاز فقط، مما يؤدي إلى بناء صورة ذاتية هشة تُخفى خلف شعور زائف بالعظمة.
الميكيافيليانية (Machiavellianism) عند الأطفال
تعكس الميكيافيليانية ميل الطفل إلى استخدام الخداع والتلاعب لتحقيق أهداف شخصية، والنظر إلى العلاقات من منظور نفعي بحت.
وتظهر هذه السمة في سلوكيات مثل الكذب المتعمد، استغلال الأقران، إظهار مشاعر غير حقيقية عند الحاجة، أو التخطيط لإيذاء الآخرين نفسيًا دون شعور واضح بالذنب.
وترتبط هذه السمة غالبًا ببيئات تفتقر إلى الأمان العاطفي، أو يشهد فيها الطفل نماذج للسيطرة أو الخداع، فيتعلم أن العلاقات تقوم على القوة والمصلحة لا على الثقة والتعاطف.
السمات غير الوجدانية (Callous-Unemotional Traits)
تُعد السمات غير الوجدانية من أكثر السمات الظلامية ارتباطًا بالسلوك العدواني، وتشير إلى ضعف الاستجابة الانفعالية، وغياب الشعور بالذنب أو الندم، وانخفاض التعاطف مع الآخرين.
وعند الأطفال، تتجلى هذه السمات في عدم التأثر بألم الآخرين، القسوة تجاه الأقران أو الحيوانات، البرود العاطفي، وعدم الاكتراث بالعقاب أو التوبيخ.
وتشير الدراسات إلى أن هذه السمات قد ترتبط بخبرات حرمان عاطفي مبكر، أو تعرض الطفل لصدمات نفسية، أو نشأته في بيئات يسودها الإهمال أو العنف.
السادية (Sadism) في بعض الدراسات الحديثة
أدرجت بعض الأبحاث الحديثة السادية (Sadism) ضمن ما يُعرف بـ الرباعي المظلم للشخصية (Dark Tetrad)، وتشير إلى شعور الفرد بالمتعة أو الرضا عند إلحاق الأذى بالآخرين.
وعند الأطفال، يُعد هذا النمط نادرًا نسبيًا، وغالبًا ما يظهر في سياقات أسرية أو بيئية شديدة القسوة، ويُنظر إليه كمؤشر خطر يستدعي التدخل المبكر. وهناك دراسة تناولت السمات السامة لدى الأطفال بعنوان السمات الظلامية للأطفال فى جامعة كولومبيا ٢٠٢٢
تؤكد الدراسة أن السمات الظلامية عند الأطفال لا تمثل حكمًا نهائيًا على الشخصية، بل تعكس مسارًا نمائيًا قابلًا للتعديل. كما تُبرز النتائج الدور المحوري للتنشئة الوالدية، وجودة العلاقة العاطفية، في تعزيز أو الحد من هذه السمات.
وتشير النتائج إلى أن التركيز على العقاب وحده قد يزيد من حدة هذه الصفات، في حين أن بناء التعاطف، وتعزيز الأمان النفسي، وتوفير نماذج سلوكية صحية، يسهم في تعديلها تدريجيًا.
ختامًا..
تخلص الدراسة إلى أن فهم الصفات السامة والسمات الظلامية عند الأطفال يتطلب رؤية علمية متزنة، تُميز بين السلوك والمؤشر، وبين الطفل وشخصيته المستقبلية. فالطفل ليس سلوكًا ثابتًا، بل كيانًا في طور التشكّل، يتأثر بما يحيط به من بيئة نفسية وتربوية.
ومن هنا، فإن الوعي بهذه السمات يمثل خطوة أساسية نحو الوقاية والتدخل المبكر، وبناء أجيال أكثر توازنًا وتعاطفًا.
















