
من السيدة هاجر إلى المرأة المصرية المعاصرة
بقلم: أسماء سعد فايد
تحتل قصة السيدة هاجر مكانة خاصة في الوجدان الديني والإنساني، لا بوصفها حكاية تاريخية فحسب، بل كنموذج خالد للصبر الفعّال وقوة الاحتمال.
ولم يكن اختيار الله للسيدة هاجر المصرية مصادفة، بل اختيارًا يحمل دلالات عميقة تتصل بطبيعة الصبر حين يتحول إلى فعل، وإلى قدرة على صناعة الحياة من قلب القسوة.
حين تُركت هاجر في وادٍ غير ذي زرع، ومعها طفل رضيع، لم يكن المشهد يحمل أيّ مقومات للنجاة. ومع ذلك، لم يكن رد فعلها انهيارًا أو اعتراضًا، بل سؤالًا حاسمًا:
الله أمرك بهذا؟
وحين جاءها اليقين، جاء معه الثبات. هذا النوع من الصبر، القائم على الإيمان والعمل لا على الانتظار السلبي، هو جوهر القصة.
الصبر المصري..
ما يميز صبر السيدة هاجر أنها لم تجلس تنتظر المعجزة، بل سعت. ركضت بين الصفا والمروة سبع مرات، تبذل أقصى ما تستطيع، ثم تترك ما لا تملكه لله. ومن هذا السعي الصادق، تفجّر ماء زمزم، ليصبح رمزًا خالدًا لأن الرزق يولد حين يكتمل الجهد ويصدق التوكل.
هذا النموذج يتكرر اليوم، بصورة مختلفة، في حياة المرأة المصرية المعاصرة. فبين ضغوط المعيشة، ومسؤوليات الأسرة، ومتطلبات العمل، تقف المرأة المصرية في مساحات شديدة القسوة، وتُطالب بالتحمّل دون ضجيج.
هي لا تركض بين جبلين، لكنها تسعى يوميًا بين واجبات لا تنتهي، وتوازنات دقيقة، وأعباء قد تفوق طاقتها.
المرأة المصرية لا تُعرّف نفسها كضحية، ولا تصنع من معاناتها خطابًا دائمًا، لكنها تُدير حياتها بهدوء، وتحافظ على تماسك البيت، وتزرع الطمأنينة رغم الاضطراب. هذا الصبر الصامت يشبه صبر هاجر؛ لا يبحث عن تعاطف، بل عن نتيجة.
وكما خرج زمزم من موضع لم يكن متوقعًا، فإن ثمار صبر المرأة المصرية اليوم تظهر في صور متعددة:
أبناء نشأوا رغم قلة الموارد..
بيوت صمدت رغم الأزمات..
ونساء حافظن على إنسانيتهن رغم الضغوط.
دلالة الاختيار
قصة هاجر تؤكد أن قيمة الإنسان لا تُقاس بمكانته الاجتماعية، بل بقدرته على الثبات والعمل في أحلك الظروف. وهذا المعنى ما زال حيًا في واقع المرأة المصرية، التي تواصل أداء دورها الأساسي في بناء المجتمع، دون أن تفقد إيمانها أو قدرتها على الاستمرار.
من السيدة هاجر إلى المرأة المصرية المعاصرة، يمتد خيط واحد من الصبر الواعي، القائم على السعي والثقة بالله. قد تتغير الظروف والأزمنة، لكن جوهر القوة يظل واحدًا:
صبر لا ينهار..
واحتمال لا يستسلم..
وقدرة دائمة على تحويل القسوة إلى حياة.














