
المنهج الاقتصادي لسيدنا عثمان
بقلم: مصطفى نصر
كانت ثروة الصحابي الجليل وأمير المؤمنين الخليفة الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بعد موته تقدر بأكثر من نصف مليار دولار بسعر اليوم، حيث يروى أنه ترك بعد وفاته 30 مليون درهم فضة و150 ألف دينار ذهب (ذهب الدنانير عيار 24 قيراط) وصدقات قدرها 200 ألف دينار ذهب ومزارع ومنازل بمكة والمدينة، رغم أنه كان قد تبرع بمعظم ثروته وجهز جيشاً كاملاً بحُر ماله، يقول علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه: وهذا عثمان بن عفان -رضي الله عنه- جاء بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وبألف دينار استجابة لنداء النبي -صلى الله عليه وسلم:
(من جهز جيش العسرة فله الجنة)، حتى أكْبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ما فعل عثمان رضي الله عنه فقال: (ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم) رواه الترمذي.

وجيش العسرة -لمن يجهله- هو الجيش الذي جهزه النبي -صلى الله عليه وسلم- لغزوة تبوك (9 هـ) لمواجهة الروم، وسُمي بذلك لشدة الضيق، والحر الشديد، وقلة المؤونة والدواب، فحث النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه على تجهيزه، ووعد من يجهز هذا الجيش بالجنة، فبذل الصحابة، وأبرزهم عثمان بن عفان الذي جهز ثلث الجيش، وأبو بكر الصديق الذي تبرع بماله كله، وعبد الرحمن بن عوف الذي خرج عن ألفي درهم كانت تمثل نصف ممتلكاته.
أمير المؤمنين عثمان ذي النورين عندما سئل عن سر نجاحه في البيزنس لخص سر ثرائه بكلمات موجزة، سوى أنها نظرية اقتصادية كاملة الأركان يجب أن تُدرس في كليات التجارة والاقتصاد، إذ يقول: سيدنا عثمان -رضي الله عنه:
“كنت أعالج وأنمي، ولا أزدري ربحاً، ولا أشتري شيخاً، وأجعل الرأس رأسين”
هذه وصفة جيدة للثراء سوف أشرحها لكم بالتفصيل فيما يلي:
(أعالج) معناها أستمر في البيع والشراء رغم الخسارة، فالمصائب في التجارة واردة، وفي حال الخسارة استمر ولا أنقطع عن العمل، موضحاً أن سر النجاح هو تحمل المشاق، فلا تجعل أول خسارة تثبط همتك، فالتجارة بمثل ما فيها من أرباح تمر أيضاً بخسائر في بعض الأوقات.
(وأنمي): معناها أستهلك القليل من الربح، الذي يفي بحاجاتي الأساسية، فوق رأس المال وأستثمر الباقي وأدخله في دورة رأس المال.
(ولا أزدري ربحاً) معناها في حالة كانت حالة السوق راكدة والإقبال على الشراء ضعيفاً، أُروِّج بضاعتي ولو بربح قليل، لأن ذلك أحسن من تكديسها انتظاراً لربح أعلى، فأرباح أقل مع مبيعات أكثر هي مدرسة جيدة في التجارة.
(ولا أشتري شيخاً) معناها لا أستثمر مالي في سلعة مضى وقتها وقل الإقبال عليها، مثلاً ملابس الصيف في فصل الشتاء، شبّهَ البضاعة بالشيخ لأنه لا مستقبل له.
وأجعل الرأس رأسين معناها عندما أريد استثمار مالي في بضاعة ما أشتري سلعتين مختلفتين بدل سلعة واحدة، في حال الخسارة في السلعة الأولى تبقى لك السلعة الثانية أربح منها وتعوض خسارتي.. وهذا هو المعروف اليوم بعدم وضع البيض كله في سلة واحدة..

وبعد.. قدم لنا عثمان بن عفان خطة للعمل التجاري ذات خمسة أركان هي..
– المباشرة الشخصية للعمل.
– وتنمية رأس المال.
– الرضا بالربح القليل المستمر.
– تجنب السلع الراكدة (الشيخ).
– تنويع الاستثمارات (اجعل الرأس رأسين).
حيث تركز هذه الاستراتيجية على إدارة المخاطر، وفهم السوق، والاستمرارية مهما كانت المخاطر.













