دينيمقالات متنوعة
أخر الأخبار

نبي الله إبراهيم.. صاحب الذوق العالي

نبي الله إبراهيم.. صاحب الذوق العالي

بقلم: مصطفى نصر

 

هنالك أدلة كثيرة تدل على أن نبي الله إبراهيم من أهل الذوق العالي، ولعل هذه الحساسية الذوقية هي السبب في بحثه المبكر عن الإله المدبر لهذا الكون فتعامل مع الطريقتين السائدتين إحداهما وهي طريقة عبادة الأصنام والثانية هي عبادة النجوم.

فبدأ إبراهيم عليه السلام يناظرهم بطريقة عبقرية، فلم يبدأ بالهجوم المباشر، بل استدرجهم بأن سلّم ظاهريًا بمعتقدهم ليُثبت بطلانها من داخلها.  

– نظر إلى السماء ليلاً فرأى كوكبًا (غالباً الزهرة اللامعة)، فقال: “هذا ربي” — أي: كما تقولون أنتم — ثم لما أفل (غاب) قال: “لا أحب الآفلين، لا أحب من يغيب ويختفي، فكيف يكون رباً؟).  

– ثم انتقل إلى القمر لما بزغ (طلع)، فقال مثلهم: لنفترض ان هذا ربي”فلما أفل قال: “لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين”— أي: إن لم يهدني الرب الحقيقي فسأكون ضالاً مثلكم.  

– ثم رأى الشمس بازغة (أكبر وأشد ضياءً)، فقال: “هذا ربي هذا أكبر”، فلما أفلت قال مخاطباً قومه مباشرة:

“يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشتركين”

(الأنعام: 75-79)

هذه المناظرة ليست شكاً من إبراهيم —فهو معصوم ومؤمن منذ الصغر— بل (حجة) واستدلال منطقي يُلزم به خصومه:  

– الرب الحق لا يتغير ولا يغيب ولا يحتاج إلى غيره.  

– كل ما يظهر ثم يختفي (كالكواكب والقمر والشمس) مخلوق مسخر، لا يصلح للربوبية.  

– إذن الإله الحق هو الفاطر (الخالق) لهذه الأجرام كلها، الذي لا يُرى ولا يغيب.

ثم جاءت الخطوة العملية الكبرى: (تحطيم الأصنام)؛ في سورة الأنبياء والصافات).  

– انتظر يوم عيدهم (يوم الزينة) وقال “إني سقيم” أي مريض، أو كاره لما تفعلون، حسب بعض التفاسير) ليبقى وحده.  

– دخل المعبد فراغ عليهم ضرباً باليمين، فحطمهم جميعاً إلا الكبير منهم)، وعلق الفأس في عنق الكبير ليُشير إليه ساخراً: “اسألوهم إن كانوا ينطقون”.  

– فلما رجعوا وقالوا: “من فعل هذا بآلهتنا” قال: “بل فعله كبيرهم هذا” — فألقاهم في حيرة: إن كانوا آلهة فلماذا لا يدافعون عن أنفسهم؟ وإن كان الكبير فعل ذلك فلماذا لا يسألونه؟و هكذا فضح بطلان عبادتهم بالعقل والفعل معاً.

نعم.. ذوق نبي الله إبراهيم -عليه السلام- رفيع جدًا، وهو أيضاً قمة وعالية في الأدب مع الله تعالى، وهذا يظهر بوضوح في دعائه الذي ذكره القرآن الكريم في سورة الشعراء:

“الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ۝ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ۝ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين”

[الشعراء: 78-80]

لاحظ الدقة في التعبير:  

– في الخلق والهداية والرزق نسبها مباشرة إلى الله (فهو يهدين، يطعمني، يسقيني).  

– أما المرض فقال “وإذا مرضت” (نسب الفعل لنفسه)، ولم يقل “وإذا أمرضني” أو “وإذا مرضني الله”، ثم أسند الشفاء إلى الله وحده (فهو يشفين).

العلماء يفسرون هذا بأنه قمة التأدب مع الله سبحانه؛ فالخير كله يُنسب إليه، أما الشر والمكروه (كالمرض) فالأدب يقتضي عدم نسبته مباشرة إلى الله في اللفظ، وإن كان المرض بقدره وقضائه، بل يُنسب إلى النفس أو إلى أسباب أخرى، ثم يُرجع الأمر كله إلى رحمته وشفائه.

من أجمل ما قيل في هذا المعنى (كما ورد في كلام بعض الدعاة والعلماء):  

“الخير منه والشر مني” —أي: نسبة الخير والنعمة لله، والتقصير والمكروه للنفس، وهذا من أعلى مراتب الأدب والتواضع والتسليم.

فهذا الذوق النبوي يعلمنا كيف نتحدث عن الله، وكيف نصيغ أدعيتنا وشكرنا وحتى شكوانا بأسلوب يليق بجلاله ورحمته. سبحان من علّم إبراهيم الخليل هذا الأدب الرفيع!

مصطفى نصر

صحفي وباحث متخصص في الأدب والتثقيف، يتمتع بخبرة في العمل الإنساني والتوعية المجتمعية، وله دراسات متعددة في الإعلام والتعليم الإلكتروني. كاتب بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي