مقالات متنوعة
أخر الأخبار

لعنة الثراء

لعنة الثراء

بقلم: مصطفى نصر 

 

ليس الثراء كما يبدو من العنوان لعنة مطلقة، هنالك الكثير من الأثرياء يعيشون في سعادة وراحة، ولا تغشى حياتهم اي لعنة، فالمال يحل مشاكل الأمان والصحة وحرية اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، فلا يمرون بأي لحظة انكسار وهم يقفون بعجز أمام مطالب ابنائهم وأسرهم.

 لكن اضطرابات ما بعد الثراء ترتبط كثيراً بمن اغتنوا فجأة من بعد جوع، وهنالك كثير من الأمثال العربية تحذر من لؤم من اغتنى بعد فقر، إذ يبرز الثراء المفاجئ لديهم اكتئاباً، وشعورا بالعظمة وبالتضخم، وعدم ثقة بالناس، وخوف من العودة للفقر، وإحساس بأن الجميع طامعون في مالهم، وعزلة وفراغ داخلي، وطلاق، وإسراف في الملذات.

* إيلون ماسك من أثرى أثرياء العالم يعترف بأنه تأتيه لحظات غيرة من الفقراء، يتمنى لو أنه مثلهم يضحك من قلبه، ويستمتع بالمكان، حيث إن الدنيا سادتها الحقيقيون هم الفقراء الذين يتنقلون فيها بالطول والعرض لا يحدهم زمان ولا مكان، بينما يفتقد هو حرية الحركة، لا يخرج إلا بصحبة حراس شخصيين، لا يستطيع اقتحام الأمواج البشرية والزحام، يتكلم الناس معه بتصنع لذا فهو يشتاق للعفوية ودفء العلاقات التي تخرج بريئة من أي زيف.

 * فكثرة المال المفاجئة قد تسبب “فوضى” وتدمر العادات التي كانت سبباً في السعادة سابقاً، فالمال الوفير (خاصة عند المليارديرات) لا يضمن السعادة، بل قد يجلب مشاكل نفسية وعزلة وفراغاً داخلياً، لذا تبرز أحيانا تلك العبارة الشهيرة لأحلام مستغانمي:

“الثراء هو القدرة على امتلاك ما لا يُشترى، لذا بعض الأثرياء أفقر مما يبدون.”

* وهنالجك أمثلة شهيرة: لبعض الورثة يعانون من الاكتئاب، فشخصيات مثل أبيجيل ديزني (وريثة ديزني) وصفت المليارديرات بأنهم “أناس تعساء وبائسون”، معزولون عن الواقع، وروبن شارما وآخرون يقولون إن كثيراً من المليارديرات “لديهم كل شيء مادياً لكنهم وحيدون ومرضى نفسياً”.

نجيب ساويرس

– لكن هذا ليس دائماً ولاقاعدة عامة تنطبق على كل الأثرياء، إذ أن هناك دراسات علمية حديثة (مثل أعمال ماثيو كيلينغزورث من وارتون) تظهر أن السعادة تزداد مع الدخل والثروة، حتى ان الكثير من المليونيرات والأثرياء يبلغون عن رضا أعلى عن الحياة مقارنة بالآخرين، خاصة إذا كسبوا ثروتهم بأنفسهم (ولم يرثوها دون كد)، لا سيما لمن كان يتمتع بالذكاء ففهم أن المال وديعة من الله في يده، فأخذ نصيبه من الدنيا بدون تقتير، دون أن ينسى ضرورة أن يبني رصيدا للآخرة، فدراسات كثيرة تؤكد أن العطاء، هو من العوامل التي تزيد السعادة الحقيقية أكثر من مجرد الأرقام في الحساب البنكي.

– ⁠فكثير من الأثرياء الذين يصفون أنفسهم بأنهم سعداء يربطون ذلك بالأعمال الخيرية

التي قدموها لسعادة الناس وتسهيل معاشهم، فالملياردير المصري الشهير نجيب سويرس قال إنه لم يستمتع بثروته بمثل ما استمتع بمبلغ عشرين ونيف من الآلاف انفقها كتبرع لإنشاء وصلة مياه بالصعيد، سعد جدا بأنها وفرت لألفين من النساء مشقة السير لساعتين على أقدامهن بحثاً عن الماء.

وختاماً: نذكر الأثرياء بيوم يسئلون فيه: “مالك فيما انفقته”، فيجب أن تكون لديهم خبيئة من أعمال الخير، تبيض وجوههم في يوم عبوس قمطريرا، فرب خبزة أطعمتها لفقير لم تلق لها بالاً ولم تثر العجب بنفسك، تقف لتدافع عنك أمام الملك الديان يوم القيامة.

مصطفى نصر

صحفي وباحث متخصص في الأدب والتثقيف، يتمتع بخبرة في العمل الإنساني والتوعية المجتمعية، وله دراسات متعددة في الإعلام والتعليم الإلكتروني. كاتب بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي