مقالات متنوعة
أخر الأخبار

اتركوني أُخطئ.. كفّوا عن نصحي..

اتركوني أُخطئ.. كفّوا عن نصحي..

بقلم : أسماء فايد 

 

في عالم يفيض بالكلمات، تبدو النصيحة واحدة من أكثر الأشياء شيوعًا… وأسهلها تقديمًا، وأثقلها وقعًا.

نسمعها في البيوت، في الشوارع، في الرسائل العابرة، وحتى في صمت العيون التي تحمل حكمًا غير منطوق. الجميع يملك ما يقوله لنا، وكأن حياتنا دفتر مفتوح لتصحيحات الآخرين.

ومع ذلك، ورغم كل هذا الخير .. المُلقى في طريقنا، نجد أنفسنا في لحظة صدق .. نميل إلى الهروب.

نهرب من النصيحة، نضيق بها، وربما نرفضها قبل أن نسمعها كاملة.

فلماذا؟

هل أصبحنا نكره الخير؟

أم أن للنصيحة وجهًا آخر لا يُقال؟

الحقيقة أن النصيحة ليست دائمًا كما تبدو.

فبين الكلمة التي تُقال بدافع الحب، وتلك التي تُقال بدافع السيطرة، خيطٌ رفيع لا يراه كثيرون. هناك نصيحة تُشبه يدًا حانية توضع على الكتف، وأخرى تُشبه إصبعًا مرفوعًا في وجهك، حتى وإن غُلّفت بأرق العبارات.

المشكلة لا تكمن في أن تُنصح… بل في كيف تُنصح..

حين تأتيك النصيحة محمّلة بأوامر غير مباشرة، تبدأ بـ “أنا خايف عليك” وتنتهي بـ “لازم تعمل كذا”، تتحول من مساحة أمان إلى مساحة ضيق. تشعر وكأنك لم تُستشر، بل تم الحكم عليك مسبقًا، وكأن حياتك مشروع يجب أن يُدار وفق رؤية الآخرين.

وهنا يبدأ الرفض… ليس رفضًا للنصيحة، بل رفضًا لفقدان السيطرة على الذات.

فالإنسان، في جوهره، كائن يبحث عن حريته قبل بحثه عن صوابه.

يريد أن يخطئ بملء إرادته، كما يريد أن يصيب بملء اختياره. لأن الخطأ الذي نرتكبه بأنفسنا، يعلّمنا أكثر من ألف صواب يُملى علينا.

نحن لا نعيش لنصل فقط… بل لنفهم كيف وصلنا.

نحتاج أن نتعثر، أن نكتشف، أن نختبر الطريق بأقدامنا لا بوصايا الآخرين. فالتجربة ليست مجرد وسيلة للنجاة، بل هي جزء من تكويننا الإنساني، من وعينا، من قصتنا التي لا تُروى إلا بأخطائنا قبل صوابنا.

 

ومن هنا، تصبح النصيحة أحيانًا اختصارًا جارحًا للتجربة.

كأن أحدهم يريد أن يمنحك النهاية دون أن تعيش البداية، أو يعطيك الإجابة دون أن يترك لك متعة السؤال.

لكن الوجه الأعمق للمسألة، أن بعض النصائح لا تكون بريئة تمامًا.

قد تحمل في طياتها رغبة غير واعية في التوجيه، في الهيمنة، في تشكيل الآخر وفق صورة نراها نحن “أفضل”.

نقول للآخرين ما يجب أن يفعلوه، لا لأنهم طلبوا، بل لأننا نعتقد أننا نعرف أكثر، أو لأننا نخاف أن يخرجوا عن إطار يشبهنا.

وهنا، تتحول النصيحة من جسرٍ للمحبة… إلى قيدٍ غير مرئي.

ولهذا نهرب.

نهرب لأننا نريد أن نحافظ على حقنا في الاختيار، حتى لو كان اختيارًا خاطئًا. نهرب لأننا نريد أن نشعر أن حياتنا تخصنا نحن، لا أنها امتداد لرؤى الآخرين.

الغريب أن من يُكثر من تقديم النصيحة، قد لا يدرك أنه يبتعد.

فالإلحاح، مهما كان دافعه نبيلًا، يصنع مسافة. والنبرة التي تحمل يقينًا كاملًا، تُفقد الطرف الآخر رغبته في الاستماع. لأن الإنسان لا يحب أن يُعامل كمسألة محسومة، بل كرحلة مفتوحة.

النصيحة الحقيقية ليست في كثرتها… بل في توقيتها.

وليست في وضوحها فقط… بل في خفتها.

هي أن تُقال حين تُطلب، أو حين يكون القلب مهيأً لسماعها.

هي أن تأتي كاحتمال، لا كحقيقة مطلقة.

هي أن تُشبه الضوء الذي يكشف الطريق، لا اليد التي تدفعك فيه.

وأجمل النصائح… تلك التي تترك لك مساحة.

مساحة لتفكر، لتختلف، لتختار، بل وحتى لتخطئ. لأنها تدرك أن النضج لا يُمنح، بل يُبنى، وأن كل إنسان له طريقه الخاص، حتى لو تشابهت النهايات.

في النهاية، لسنا ضد النصيحة كما يُظن.

نحن فقط ضد أن تُسلب منا إنسانيتنا تحت اسمها.

نريد من يحبنا أن يكون بجانبنا، لا فوقنا…

أن يرافقنا، لا يقودنا…

أن يمد لنا يده إذا سقطنا، لا أن يمنعنا من السير خوفًا من السقوط.

لأن الحياة، بكل ما فيها، ليست طريقًا واحدًا صحيحًا…

بل طرق كثيرة، بعضها يُضيء، وبعضها يُعلّم.

ولسنا بحاجة لمن يخبرنا أين نسير…

بقدر حاجتنا لمن يفهم لماذا نختار هذا الطريق.

أسماء سعد

كاتبة مصرية مهتمة بالفلسفة والهوية الثقافية لدمياط، تكتب مقالات أدبية وتأملية، حول الأعلام، وصحابة أسلوب صحفي مميز، وتمزج بين النثر والشعر، ولها أيضا كتابات تاريخية. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي