
حين يصبح الضعف قوة
الكاتبة: غادة جهاد بوفخرالدين
في حي فقير تتراصف البيوت الحجرية متلاصقة وبشكل عشوائي، تمنع نور الشمس من الدخول وسطها، فتغزو الرطوبة الأنحاء، وتعشش الأمراض في شقوق البيوت. كان يقطن بيتًا من هذه البيوت ولدان يتيمان، رماهما الدهر ليواجها الحياة عُزل. لم يتسلحا بشيء سوى محبتهما والتزامهما لبعضهما البعض. بعدما تركهما والداهما في يوم من أيام الشتاء القارس لزيارة أقربائهم في العاصمة، وفي الطريق اصطدمت سيارتهما بشاحنة مما أدى إلى وفاتهما فورا تاركين أحمد ومحمود وحيدين بلا معيل.
في البداية، اعتنى الجيران بالولدين، لكن بعد أيام قرر أحمد أن يعمل ليعيل أخاه، خاصة أن أخاه مريض فهو يعاني من الربو منذ ولادتهويحتاج إلى اهتمام زائد.
بدأ احمد يعمل في ورشة يساعد العمال في نقل الأحجار وما يحتاجونه من مستلزمات العمل.
فكان كل يوم يستيقظ عند الفجر ويعود مساء ليؤمن قدرا بسيطا من المال يشتري بهم ما يسد رمقه هو وأخيه.
لكن في يوم من الايام شعر احمد بالتعب فغلبه النعاس ولم يستطع ان يستيقظ ليذهب كعادته إلى العمل، وعندما استيقظ أخيرا كانت الشمس تتوسط السماء. تقلب في سريره وشعر بثقل لم يشعر به سابقا، لكنه تحايل على نفسه وقام من فراشه كي يصنع “الشوربا” علّها تعطيه بعض النشاط، لكنه ما إن وضع القدر على الغاز حتى سقط أرضا مغميا عليه.
رآه محمود فركض وهو يناديه
ـ “أحمد… أحمد قوم شو باك؟؟
تراجع محمود خطوة إلى الوراء، وصدره يعلو ويهبط بسرعة، كأن الهواء صار أثقل من أن يُحتمل. نظر إلى أحمد الممدّد على الأرض، ساكنًا بشكل مخيف، وعيناه مغمضتان كأنهما لن تُفتحا. زاد تنفسه ضيقا وكاد يختنق ويله أحمد الملقى على الأرض وويله هو.
التفت حوله ولمح بعينيه البخّاخ…وقبل أن يمد يده ويتناوله لاحظ رائحة غاز تنتشر في جو الغرفة.
غمره الخوف، وحاول أولًا أن يوقظ أخاه، هزّه من كتفيه، صرخ هذه المرة أعلى:
“أحمد! قم! أرجوك قم!”
لكن أحمد لم يجب، لم يسمعه. حاول جرّه، لكن جسده الثقيل لم يتحرّك إلا قليلًا. انزلقت يد محمود، فسقط جالسًا على الأرض، يسعل بعنف، وعيناه تدمعان من الاختناق.
لكن صورة أحمد وهو يسهر لأجله، يركض كل يوم ليؤمّن دواءه، اعطته قوة لم تكن موجودة فيه من قبل فمسح دموعه بكمّه، ونهض بصعوبة. ثم اندفع نحو الباب وفتحه بقوة، فاندفع هواء بارد إلى الداخل.
عاد يجرّ قدميه نحو أحمد. أمسكه من ذراعيه، وسحبه نحو الباب،
“ما رح… خليك هون…” تمتم وهو يسحبه.
حين وصل إلى عتبة الباب، فقد توازنه وسقط إلى الخلف، لكنه سحب أحمد معه، حتى استلقى نصف جسده خارج البيت، حيث الهواء أخفّ.
زحف محمود إلى جانبه، ويداه ترتجفان. هذه المرة، لم يقاوم أكثر، التقط البخّاخ من جيبه المرتجف، وضغطه، ثم آخر… حتى بدأ الهواء يعود ببطء.
مدّ يده نحو أحمد، أمسكها بإحكام، كأنه يخشى أن يفلت.
“ما تتركني…” همس، وصوته بالكاد يُسمع.
بعد لحظات ثقيلة، تحرّكت أصابع أحمد قليلًا.
وكان ذلك كافيًا ليبقي محمود مستيقظًا… رغم كل شيء











