
جوع الأحرار
الكاتبة: حنين الرفاعي
في أطراف المدينة، حيث ينتهي الإسفلت وتبدأ الحكايات المنسية، كان هناك بيتٌ صغير تقطنه امرأة عجوز تُدعى “صفية”. لم تكن تملك من الدنيا إلا قطتها الرمادية، وبعض الذكريات التي تتكئ عليها كل مساء.
كانت صفية معروفة في الحي بشيءٍ غريب… كل يوم، قبل غروب الشمس، تضع طبقًا من الطعام أمام باب منزلها، ثم تجلس على كرسيها الخشبي، وتسرح في المدى البعيد، وحين يتعبها الانتظار، تدخل منزلها تاركةً الطعام خارجاً، لا أحد يعلم لمن هذا الطعام، ولا أحد كان يجرؤ على السؤال.
مرت السنوات، والناس اعتادوا المشهد، حتى جاء “كريم”؛ أستاذ اللغة العربية، شاب انتقل حديثًا إلى مدرسة الحي. كان فضوليًا بطبعه، لا يترك سؤالًا دون إجابة. راقب صفية أيامًا، ولاحظ أن الطعام يختفي كل مرة، لكن لم يرَ أحدًا يقترب.
في مساءٍ بارد، ارتجفت فيه غصونُ الشجر، وانحبس خلفَ غيومهِ ضوءُ القمر، قرر كريمٌ أن يسبرَ الغور، ويكشفَ ما استترَ خلفَ السور. انتحى مكاناً قصياً، وظلَّ يراقبُ المشهدَ ملياً، والبردُ يقرصُ أطرافه، والفضولُ يحثُّ أسلافه.
وما هي إلا لحظاتٌ من السكونِ والوجل، حتى انشقَّ الليلُ عن طيفٍ قد أقبل؛ رجلٌ أثقلتِ السنونَ كاهله، وأذابت يدُ الفاقةِ مفاصله. دنا من الطبقِ في خفيةٍ وحياء، كأنه يخجلُ من عينِ السماء. مدَّ يدهُ المرتعشة، ونفسهُ من الجوعِ مندهشة، فأكلَ لُقيماتٍ تقيمُ الأود، وصانَ بفعلهِ بقايا العهد، ثم انصرفَ والدمعُ في عينهِ حار، تاركاً خلفه ألفَ تذكارٍ واستفسار.
لم يملك كريمٌ لدهشتهِ لجاماً، فأسرعَ يطرقُ بابَ “صفية” استعلاماً وإكراماً. فلما استقبلتهُ بوجهٍ كالفجرِ المنير، سألها والقلبُ في صدرهِ كالعصفورِ يطير: “يا خالة، رأيتُ السرَّ جهاراً، فلمَ جعلتِ الإحسانَ استتاراً؟ أليسَ الضيفُ أولى بالترحاب، والإطعامُ أحقَّ بفتحِ الأبواب؟”.
أرخى السكونُ سدوله، وشرعت صفيةُ تبثُّ لُبَّ القولِ وفصوله، فقالت: “يا بني، إنَّ من الفقرِ ما يورثُ الأنفة، ومن الحرمانِ ما يصنعُ العفة. هذا جارٌ كانَ في الحيِّ سيداً مطاعاً، ومناراً بالفضلِ شاعاً، فلما جارَ عليهِ الزمان، وأوحشَ بدارهِ المكان، أبى أن يريقَ ماءَ مُحيّاه، أو يمدَّ لغيرِ اللهِ يداه. فأوهمتُه أنَّ الطبقَ لسُكّانِ الطرقات، ليتناولَهُ بكرامةٍ في الخلوات. فيا بني، إنَّ جبرَ القلوبِ صلاة، وسترَ المحتاجِ نجاة، ومن لم يقرأ في صمتِ الفقيرِ سؤالاً، فليسَ بمدركٍ من الأدبِ كمالاً”.
وقفَ كريمٌ مبهوراً بهذا البيان، وقد أدرك أنَّ البلاغةَ ليست في اللسان، بل في رحمةٍ تسكنُ الجَنان. ومنذُ تلكَ العشية، صارَ يقتفي أثرَ “صفية”، يغرسُ المعروفَ في الدروب، ويمسحُ برفقٍ على قلوبِ المكروب، مؤمناً بأنَّ أجملَ العطاءِ ما غابَ عن الأبصار، وحفظَ لأهلِ الشدةِ عِزةَ الأحرار.











