
حين يغارُ المعدن
الكاتب: سعيد إبراهيم زعلوك
لم يكن “الحديدُ” يوماً عدواً، كان مجرد جسدٍ أصمّ يحلمُ بالخفة، يراقبُ ببرودةٍ وحشةَ المدى، ويتحينُ لحظةَ الانعتاق من ثقله. وفي زاويةٍ منسيةٍ من وجع الأرض، انتصبَ “ناي” ضئيل، لا يملكُ من أسلحة البقاءِ سوى ثقوبٍ هي في حقيقتها جراحٌ مفتوحة على الريح.
حين لامستْ زفرةُ الحالمِ جوفَ القصب، اهتزتْ أركانُ الجماد؛ فكلُّ نغمةٍ تقطرُ من ثغر الناي كانت بمثابة معولٍ يفتتُ كبرياءَ الفولاذ. هناك، وفي تلك اللحظة الفارقة بين الصمت والعزيف، لم يعد الحديدُ قيداً، بل استحالَ مرايا تعكسُ صدى الذاتِ التائهة.
من هذا العراكِ الصامت بين رقةِ الخشب وقسوةِ المعدن، انبثقتْ (أبجديةٌ) لَمْ يخطَّها قلمٌ من قَبْل. حروفٌ متمردة، لا تستقيمُ فوق السطور، بل تتراقصُ كدخانٍ مقدسٍ في فضاءِ الروح. هي لغةٌ لا تفهمها القواميسُ التي أرهقها التكرار، بل يفكُّ شفرتَها من أدرك أنَّ الكلمةَ إذا لم تكنْ زلزالاً يُعيدُ تشكيلَ العالم، فهي محضُ هباء.
لقد علَّمنا هذا النغمُ المقطّرُ من حنجرة الوجع، أنَّ بإمكانِ قصيدةٍ واحدةٍ من “أبجديةِ” الروح، أن تُحيلَ جبالَ “الحديدِ” إلى سحابةٍ من قطن، بمجردِ أن يقررَ “النايُ” أن يبوح.











