مقالات متنوعة
أخر الأخبار

كيف يُعبِّر الإنسان عن نفسه؟

كيف يُعبِّر الإنسان عن نفسه؟

بقلم: مروة حمدي

 

نُعلِّمُ الأطفالَ في المدارس كيف يُعبِّرون، ونُخصِّصُ لهم حصصًا لذلك… لكن ما هو التعبير حقًّا؟

ليس التعبيرُ مجرّدَ نُطقٍ سليم، ولا قدرةً على تركيب جملةٍ صحيحة لغويًا، إنه فعلُ وعيٍ عميق؛ أن يرى الإنسان ما في داخله، ثم يمنحه شكلًا آخر ليراه ويتشارك فيه مع من حوله.

التعبير هو انتقالُ التجربة من صمتها إلى حضورها، ومن غموضها إلى معنى يُمكن أن يُقال ويُفهم.

ولهذا، فتعليم التعبير ليس تعليمًا للغة وجمالياتها فقط، بل تمتد أواصره إلى تدريبٍ على الوجود ليصبح وسيلة تواصلية.

حين يتعلّم الطفل أن يقول “أنا أشعر”، أو أن يروي ما حدث، أو أن يرسم فكرة، أو أن يعزف لحنًا فهو يبني علاقةً مع ذاته. وهنا تحديدًا يبدأ الوعي.

ولعلّ هذا ما أشار إليه أفلاطون حين رأى أن الموسيقى والتربية الفنية جزءٌ من تشكيل الروح؛ إذ تمنحها انسجامًا قبل أن تمنحها معرفة. فالفن، في نظره، بنيةٌ خفية تُعيد ترتيب الداخل الإنساني.

ومن هنا، يمكن فهم العلاقة العميقة بين التعبير وتقدّم المجتمعات. فكلّما تقدَّم المجتمع، اتّسعت فيه مساحات التعبير بكل أشكاله، لا لأن الناس صاروا أكثر كلامًا، لكن لأنهم صاروا أكثر وعيًا بما يقولون.

فالمجتمعات التي تستثمر في التعليم، وتمنح الفرد حقّ التفكير، تُنتج إنسانًا لا يكتفي بأن يعيش، بل يسعى إلى فهم ما يعيش.

وقد عبّر أرسطو عن ذلك حين رأى أن الفن وخاصة الشعر محاكاةٌ للحياة، لكنه أعمق من الواقع لأنه يكشف ما يمكن أن يكون، لا ما كان فقط. وكأن التعبير يمتد من كونه انعكاسًا للواقع إلى إعادة خلقه من جديد.

وعلى النقيض، حين تضيق مساحات التعبير، لا يصمت الإنسان، بل يبحث عن بدائل. لكنه، في غياب الأدوات العميقة، يميل إلى التعبير السريع، المباشر، غير المؤمَّل. فيغلب الاستهلاك على الإنتاج، وتتحوّل الطاقة إلى تفريغٍ لحظي دون تخطيط لا إلى بناءٍ ممتد.

وهنا تتجلّى مفارقة دقيقة: فالحاجات الإنسانية واحدة، لكن الفارق في كيفية التعبير عنها. فالرغبة نفسها يمكن أن تهبط بالإنسان إذا بقيت استهلاكًا، ويمكن أن ترتقي إذا صارت فنًا.

وفي هذا الصدد سمعت محمد منير يقول: أنه يُعبِّر بالغناء؛ وكأن الصوت حين تضيق به الكلمات يجد في اللحن امتدادًا أصدق.

والشاعر يُعيد خلق العالم بالكلمة، وكاتبُ القصص يمنح التجربة روحًا تُعاش، لا تُروى فقط. والصحفي يعكس الواقع، والعازف يُنطق الصمت، والرسّام يترجم الشعور لونًا وخطًّا.

وليس بعيدًا عن هذا ما أشار إليه إرنست كاسيرر حين وصف الإنسان بأنه “كائن رمزي”، أي أنه لا يعيش الواقع كما هو، بل من خلال الرموز التي يخلقها: لغة، فن، أسطورة، وفكر. فالتعبير، بهذا المعنى طبيعة إنسانية.

في كل هذه الصور، أستطيع أن أقول أن التعبير ضرورة؛ لأنه الوسيلة التي يرتقي بها الإنسان من مجرّد العيش إلى فهم ما يعيش وتطوير عالمه.

ولهذا، فإن الحضارات لا تُخلَّد بما استهلكت، بل بما عبّرت عنه. وما بقي من الأمم لم يكن تفاصيل أيامها، بل آثارها: نقوشها، لغاتها، وفنونها… أي قدرتها على أن تعبر عن نفسها عبر الزمن.

ومن هنا، فإن معيار التقدّم لا يكمن في وفرة الوسائل، بل في نوعية ما يُنتجه الإنسان: هل يكتفي بإشباع حاجاته وغرائزه، أم يسعى إلى تحويلها إلى معنى؟

وأنتَ… ياعزيزي 
كيف تُعبِّر عن نفسك؟
وكيف تُخبر عمّا يجول في صدرك؟ 

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي