
عيد العمال المكاسب والتحديات الراهنة
بقلم: مصطفى نصر
تعد ولاية “شيكاغو” مهد عيد العمال العالمي (1 مايو) فهي المدينة التي انطلقت منها شرارة النضال العمالي الذي أدى إلى الاعتراف بحقوق الطبقة العاملة.
ففي أواخر القرن التاسع عشر، كان العمال في الولايات المتحدة -وبشكل خاص في شيكاغو- يعملون 12 إلى 16 ساعة يوميًا، 6 أو 7 أيام في الأسبوع، في ظروف قاسية جدًا، خاصة في مصانع الصلب والسكك الحديدية ومصانع الخشب.
• وفي 1886.. أطلق اتحاد العمال الفدرالي حملة وطنية للمطالبة بـيوم عمل من 8 ساعات فقط، واختير 1 مايو 1886 موعدًا لبدء الإضراب العام.
• في 4 مايو 1886.. نظم عمال شيكاغو مظاهرة سلمية كبيرة في ساحة هايماركت، حضرها عشرات الآلاف لدعم الإضراب، وأثناء المظاهرة، ألقى شخص مجهول قنبلة على الشرطة، فقتل شرطيًا وأصاب آخرين، وردت الشرطة بإطلاق النار على المتظاهرين، مما أسفر عن مقتل وجرح العديد من العمال تراوحت أعدادهم بين 4 إلى 10 قتلى ومئات الجرحى).
تلت ذلك محاكمة هايماركت الشهيرة، حيث اعتقلت السلطات 8 قادة عماليين (معظمهم أجانب، ألمان وآخرون)، رغم عدم وجود دليل مباشر على إلقاء القنبلة. حُكم على 7 منهم بالإعدام (4 أُعدموا فعلاً، وواحد انتحر في السجن، والباقون حُكموا بالسجن ثم عفي عنهم لاحقًا).
أصبحت قضية هايماركت رمزًا عالميًا للظلم والنضال العمالي.
لماذا أصبح 1 مايو عيد العمال العالمي؟
• في 1889.. عقد الكونغرس الاشتراكي الدولي في باريس، وقرر الاحتفال بـ1 مايو كيوم عالمي للعمال تذكارًا لأحداث شيكاغو 1886، وبدأ الاحتفال الأول في 1890، وانتشر بسرعة في أوروبا ثم باقي العالم.
توجد في شيكاغو اليوم نصب تذكاري لضحايا هايماركت في موقع الساحة، ويُعتبر مكانًا تاريخيًا وطنيًا. كما سميت شارع ونصب في المدينة تكريمًا للعمال.
هذه الأحداث هي التي جعلت 1 مايو ليس مجرد عطلة، بل رمزًا للنضال من أجل:
• الـ8 ساعات عمل
• الحقوق النقابية
• الكرامة العمالية
أهمية العمال:
وليس خفيًا أهمية الطبقة العاملة إذ أن إسهام العمال في الدخل العالمي كبيرة جدًا، فوفقًا لمنظمة العمل الدولية (ILO)، انخفضت حصة الدخل العمالي عالميًا من 53.7% في 2004 إلى 51.4% في 2017، واستمر الاتجاه الهبوطي بشكل عام، مع بعض التقلبات بسبب الأزمات (مثل ارتفاع مؤقت أثناء الأزمة المالية 2008-2009 أو جائحة كورونا). وفي السنوات الأخيرة، تتراوح الحصة حول 51-52%.
• هذا يعني أن حوالي ١٠٠٪ من الدخل العالمي يصنعه العمال، ويذهب 50% منه للعاملين ويصل النصف الآخر منه للقطاع الخاص)، أصحاب رؤوس الأموال، وتستفيد الدول والحكومات منه بنسبة لا بأس بها كضرائب وجمارك وعائدات صادر.
مكاسب وتحديات
وحتى الآن حققت حركات الحقوق العمالية والنقابية مكاسب كثيرة، أهمها حصر الدوام في ثماني ساعات في اليوم، وما زاد بأجر إضافي، وحقوق العمال في تشكيل نقابات تمثلهم وتدافع عن حقوقهم، لهم الحق في التفرغ للأمور النقابية دون أن يؤثر ذلك في مرتباتهم.
وانتزعت النقابات العمالية حقوقًا للعاملين في الإجازات للراحة وصلت إلى يومين في الأسبوع وبحد أدنى ٢٢ يومًا إجازة سنوية، و٢١ يومًا كإجازات مرضية في العام مدفوعة الأجر، وحق النساء في عطلة أمومة مدفوعة القيمة، والأجر المتساوي للرجال والنساء، حيث أصبح مدخل التوظيف للرجال والنساء الدجة الرابعة عشرة للعاملين، والعاشرة للموظفين تحت الجامعة، والتاسعة للموظفين الجامعيين، بعد آن كانت رواتب الإناث نصف رواتب الذكور.
كما نجحت النقابات العمالية في انتزاع حقوق العاملين في التأمين الاجتماعي والتأمين الصحي وتعويضات الإصابة أو الوفاة أثناء تأدية العمل، والمعاشات بعد التقاعد من الخدمة، فضلًا من حق العاملين في الحصول على بيئة عمل آمنة تتوفر فيها توعية بوسائل السلامة، وتقلل من الإصابات أثناء أداء العمل بتأمين الملابس الواقية والخوزات وأماكن عمل تطابق الاشتراطات الصحية.
وما زالت نقابات العمال تخوض مواجهات شرسة لانتزاع المزيد من الحقوق، لاسيما انتزاع حق الحد الأدنى للأجور الذي يجب أن يكون متناسبًا مع متطلبات المصاريف المعيشية المعقولة للأسرة المتوسطة العدد ومتطلبات السكن والعلاج والوجبات الثلاث ومتطلبات الطلاب للمواصلات ونثريات الدراسة، لا سيما أن المرتبات أصبحت لا تغطي حتى نصف مصاريف الشهر، ولا سيما المعاشات بعد نهاية الخدمة، وهي تعد ضعيفة جدًا.
وختاماً:
يجب أن تتحسب النقابات لأثر الذكاء الاصطناعي الذي سيؤدي قريبًا للتقليل من الأيدي العاملة بعد حلول الروبوتات محل الإنسان.
















