
مـــا هـــو الحـــب
الكاتب: محمد باقر محسن
طرقتْ صديقتي ذاتَ مساءٍ وبعينينِ غارقتينِ بالدموع، سألتني:
هل هناك حب حقيقي؟ أم أنه مجرد كذبة؟
التقطتْ أنفاسها بصعوبة , ثم ارتمتْ في حضني تجهشُ بالبكاء وقالتْ: أم ترينَ أنني أنا التي لا تستحق أنْ تُحب؟ أجبيني, أرجوكِ.
نظرتُ إليها طويلاً, وشعرتُ أنَّ السؤال أكبرُ منْ أنْ يُجابَ عنه بكلمة , وأثقلُ مِنْ أنْ يُلقى في لحظة عابرة.
فالحبُ ليس وردةً تُهدى,ولا يداً تُمسكُ بالأخرى, ولا وعداً يُقالُ في لحظةِ حنينٍ ثم يذوب.
الحبُ أعمقُ من كل ذلك, خفي, لكنه يترك أثره حتى بعد أن يغيب.
ولأن الإجابةَ لا تُقالُ على عتبة البابِ ولا تُختصرُ في نصيحةٍ سريعةٍ , أخذتُ يدها برفقٍ وأدخلتها, وكأنني أُحاولُ أنْ أُبعدها قليلاً عن برْدِ الأسئلةِ التي كانتْ ترتجف منها.
حضرّْتُ لها كوباً من الشوكولاته الساخنة ووضعتهُ أمامها بهدوء, ثم قلتُ لها: لا بُدَّ أنَّ تصرفاتهِ تُزعجكِ, فربما تغيَّرَ مع الزمن وطول العلاقة الزوجية؟
ردتْ عليَّ باستغراب :من تقصدين؟ قلتُ: زوجكِ, وبدتْ عليها علاماتُ الحيرةِ والتعجب وكأنني وضعتُ يدي على مَكمنِ الداءِ ولُبِّ المشكلة.
أطرقتْ رأسها وراحتْ الكلماتُ تتدفقُ من شفتيها والأسى يعصرُ قلبها كأنّها تحملُ همَّ العالم بين جَنْبَيْها.
لقد تغيَّرَ كثيراً لدرجةِ يبدو فيها لي غير الذي عرفتهُ أيامَ الخطبة, رومانسيةً وغزلاً ودلالاً.
بالتأكيد هناك امراةٌ غزتْ قلبهُ, والرجالُ في هذه النقطة يتشابهونَ بقلوبٍ مفتوحة على غزو النساء.
تضامنتُ مع مظلوميتها بكلِّ جوارحِ الأنثى في داخلي, والتي تُدركُ ظُلمَ المجتمع الشرقي لها وقساوة التعامل معها.
لكنني أردتُ هذه المرة أنْ أكونَ كالطبيبِ المداوي, وأنسى لفترةٍ أنني أنثى وأنني أُعاني كما تُعاني صديقتي, لعلَّ قلبها يهدأُ وتعودَ لأيامٍ ماضية كانتْ تقولُ فيها: أنَّ الدنيا بلا حُبٍ غيرُ جديرة أنْ تُعاش.
قلتُ لها: إنَّ الرجالَ يُفكرونَ في طريقةٍ تختلفُ بالمرة عن طريقتنا نحن النساء, لدرجةٍ يبدونَ فيها أنهم لا يشبهوننا ولا نشبههم, وربما بدا هذا الحكم قاسياً لكنه صحيحٌ, فالحياة تقومُ على الإختلاف و التكامل لا على التشابه.
تصوري لو امتلكَ الرجالُ نهجَ النساء في تفكيرهم, ربما صارتْ الحياةُ تافهةٌ ومملةٌ وسطحية.
بدا على صديقتي أنها مُعجبةٌ بطرحي، فاستغليتُ هذا الظرف لأغوص أكثر علِّي أنتشلُها من حُفرةِ اليأس لتعود كما كانت.
إنَّ الوساوسَ والظنون إذا دخلتْ عش الزوجية نسفتهُ من أساسه, ولذا علينا النظرَ من زاوية أخرى, كمنْ ينظرُ إلى كأسٍ نصفَ فارغة, لكنها بالتأكيد نصفَ مملوءة, ومَنْ لا يراها كذلك فإنّما مشكلتهُ تكمنُ في نظرهِ لا في الكأس.
صديقتي تُتابعني بشغفٍ وكأنَّ شيئاً في داخلها بدا يهدأ, ورحتُ بذكاء أتابعُ معها.
أليسَ حريصاً على بيته وأولاده؟ أليسَ هو الذي يقضي دواماً إضافياً ليجعلَ أُسرته لا تحتاج أحداً؟
هلْ وجدتهِ ذاتَ مرةٍ نزيلَ الأماكنِ المشبوهة؟ هل مرةً رفعَ يدهُ عليكِ أو تلَفَّظَ ألفاظاً أهانكِ بها؟
كانتْ صديقتي تهزُ رأسها بالنفي على كل أسئلتي المتلاحقة والهجومية.
جاوبتُها: امسحي دموعكِ وافتحي قلبكِ وعودي إليهِ كما كنتِ أولَ ما عرفتيهِ, إنَّهم معشرُ الرجال, لكنَّ قلوبهم كالأطفال.
إنَّ الحبَّ يا صديقتي أكبرُ من أنْ تُعرفهُ لغةٌ, أو أن يُختصر في كلمة, الحبُ صدقٌ وغايةٌ وصبرُ وتضحيةُ, الحب هو الهدف الذي جمع قلبين, وصنعَ أسرةً , إنهُ السكنُ والسكينة, فلا تكوني كمنْ يُنهي سعادتهُ بيده.
المشكلةُ ليستْ فينا يا عزيزتي, وليستْ في غيرنا, لكنّها في الزاوية التي نرى منها الآخرين و في طريقة معالجة مشاكلنا معهم.
عودي إليه فإنه يحبك كما تحبيه، والحقيقة في ضمائرنا، ولن نكسب الصراع ما لم نُشعلْ قنديلَ الحبِ في قلوبنا المُنهكة.











