
الأب النرجسي.. كيف تتعامل معه دون أن تخسر نفسك؟
بقلم: الحسناء رفاعي
تُعد علاقة الأب بأبنائه من أكثر العلاقات تأثيرًا في تكوين شخصية الإنسان، فهي العلاقة التي يُفترض أن تمنحه الشعور بالأمان والدعم والثقة بالنفس.
لكن عندما يمتلك الأب سمات نرجسية، قد تتحول هذه العلاقة إلى مصدر دائم للتوتر والارتباك النفسي، فيعيش الأبناء في حالة مستمرة من السعي لإرضائه دون أن يشعروا بالاكتفاء أو التقدير.
ومن المهم أن نوضح أن وجود بعض السمات النرجسية لا يعني بالضرورة الإصابة باضطراب الشخصية النرجسية، فالتشخيص لا يتم إلا بواسطة مختص نفسي.
إلا أن تكرار بعض السلوكيات، مثل حب السيطرة، ورفض الاعتراف بالخطأ، والحاجة الدائمة للإعجاب، والتقليل من مشاعر الآخرين، قد يجعل التعامل مع الأب أكثر صعوبة.
التعامل مع الأب النرجسي لا يبدأ بمحاولة تغييره، لأن تغيير الشخصية أمر معقد ولا يحدث بمجرد النقاش أو الإقناع. ما يحتاجه الأبناء هو تعلم أسلوب صحي في التعامل يحافظ على احترام الأب من ناحية، ويحميهم نفسيًا من ناحية أخرى.
لذلك من الأفضل تجنب الدخول في جدالات طويلة هدفها إثبات من المخطئ، لأن مثل هذه الحوارات غالبًا ما تنتهي بمزيد من الخلاف والإرهاق النفسي.
كما أن من الضروري أن يدرك الأبناء أن قيمتهم لا تُقاس بمدى رضا الأب عنهم. فالأب النرجسي قد يكون كثير الانتقاد، ويُقلل من الإنجازات، ويمنح التقدير بشروط، مما قد يدفع الأبناء إلى الشعور بأنهم غير كافين مهما بذلوا من جهد.
والحقيقة أن احترام الإنسان لنفسه يجب أن ينبع من داخله، لا من تقييم الآخرين له.
وفي الوقت نفسه، فإن وضع حدود صحية لا يتعارض مع بر الوالدين. فمن حق الإنسان أن يرفض الإهانة أو التقليل من شأنه، وأن ينسحب من أي حوار يتحول إلى إساءة، مع الحفاظ على الأدب والاحترام.
فالحدود الصحية لا تعني القطيعة، وإنما تعني حماية النفس من الاستنزاف المستمر.
ومن المفيد أيضًا أن يحرص الأبناء على الاهتمام بصحتهم النفسية، وأن يجدوا أشخاصًا داعمين يمكنهم التحدث معهم عند الشعور بالضغط، سواء كانوا من أفراد الأسرة أو الأصدقاء أو المختصين النفسيين. فالدعم النفسي يساعد الإنسان على فهم مشاعره والتعامل معها بطريقة أكثر اتزانًا.
وفي النهاية..
فإن وجود أب يحمل سمات نرجسية قد يكون تجربة صعبة، لكنه لا يحدد مستقبل الأبناء ولا يقلل من قيمتهم. فكلما ازداد وعي الإنسان بطبيعة العلاقة، وأحسن إدارة مشاعره، ووضع حدودًا صحية، استطاع أن يحافظ على توازنه النفسي دون أن يفقد احترامه لوالده أو إنسانيته.
إن حماية صحتك النفسية ليست عقوقًا، بل هي حق أصيل يساعدك على أن تعيش حياة أكثر هدوءًا واستقرارًا، وأن تبني علاقات صحية قائمة على الاحترام المتبادل والتقدير الحقيقي.













