حوادث وقضايامقالات متنوعة

حين تَقْتُل الكلمة

قراءة إنسانية في واقعة وفاة مدير إدارة الباجور التعليمية.

حين تَقْتُل الكلمة

كتبت: عبير عاطف

قراءة إنسانية في واقعة وفاة مدير إدارة الباجور التعليمية.

في لحظة خاطفة توقف قلب رجلٍ من أنبل رجال التعليم، سقط الأستاذ أسامة البسيوني مدير إدارة الباجور التعليمية صريعًا لأزمة قلبية مفاجئة بعد زيارة مفاجئة من وزير التربية والتعليم. لم يكن الراحل مريضًا، ولم يكن عجوزًا، بل كان في كامل لياقته، يمارس مهامه بإخلاصٍ يشهد به القريب والبعيد.

فما الذي حدث؟

تضاربت الروايات، البعض تحدث عن زيارة تفقدية، وآخرون تحدثوا عن لهجة قاسية، وتوبيخ علني، وإهانة أمام الجمع. وبين النفي الرسمي والتسريبات الشعبية، بقي السؤال الأهم معلقًا في الهواء: هل يمكن للكلمات أن تقتل؟

الكلمة التي تجرح.. الكلمة التي تنهي

{ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد}، هكذا يُعلِّمنا القرآن الكريم أن للكلمة وزنًا وحسابًا.

والكلمة حين تصدر من مسئول، تكون أكثر وقعًا وأشد أثرًا، فكم من كلمة جرحت روحًا؟ وكم من توبيخٍ كسر قلبًا لم يُظهر الألم، لكنه نزف بصمت؟

المؤسسات لا تُدار بالتعنيف، ولا تُقاس جودتها بنبرة الصوت، بل تُبنى بالعدل، والاحترام، والتحفيز. والتربية والتعليم ليست مجرد أرقام وتقارير، بل أرواح بشرية تحتاج من يقدّرها، لا من يهينها عند أول خطأ.

التسلط الإداري عنفٌ غير مرئي

هناك فرقٌ كبير بين الحزم والتسلط، بين المحاسبة والإهانة، حين يُستخدم المنصب لفرض السيطرة لا للإصلاح، يتحول الكرسي إلى أداة قمع لا قيادة.

وهذا النوع من العنف الإداري لا يُرى بالعين، لكنه يُشعل قلوبًا ويطفئ أرواحًا.

الراحل لم يكن ينتظر تكريمًا، كان فقط يستحق الاحترام، والإدارة لا تنجح بالخوف، بل بالأمان النفسي والاعتراف بالجهد والاحتواء.

كيف تدار مؤسسة يفترض أنها قدوة في التربية؟

هنا يبرز السؤال الأهم.. كيف تدار مؤسسة يفترض أنها قدوة في التربية بهذا الأسلوب؟

أين كرامة المعلم في هذا السياق؟

أين الإنسانية في التعامل مع العاملين في قطاع يتعامل مع الأجيال القادمة؟

حين يُعامل المعلم أو المدير بتلك القسوة، فإن الرسالة التي تصل هي أن التعليم ليس أكثر من مهنة لتحقيق الأهداف دون اعتبار للإنسان وراءها.

المؤسسات التعليمية يجب أن تكون أُسَرًا حاضنة، تحترم الإنسان أولاً قبل أي شيء آخر.

فالتربية لا تقتصر على القوانين الأكاديمية فقط، بل تشمل بالدرجة الأولى القيم الإنسانية. كيف يُتوقع من الأجيال أن تحترم قيم الاحترام والتعاون إذا كانت قدوتهم تُعامل بهذا الشكل؟

أثر الكلمة القاسية والحُزن على القلب.. متلازمة القلب المكسور

من الناحية العلمية، لا تقتصر أضرار الكلمات القاسية والتعامل المهين على الروح فقط، بل يمتد تأثيرها إلى القلب أيضًا.

الحزن الشديد والمواقف المؤلمة التي تصيب الإنسان بالكآبة يمكن أن تؤدي إلى متلازمة القلب المكسور أو اعتلال القلب العاطفي، وهي حالة طبية تسبّب ألمًا في الصدر نتيجة لتأثير عاطفي قوي.

عند التعرض لمواقف مؤلمة أو كلمات قاسية، يفرز الجسم هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول، مما يسبب اضطرابًا في تدفق الدم إلى القلب.

في بعض الحالات، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تضخم في أحد أقسام القلب، مما يخلق ألمًا مشابهًا لألم النوبة القلبية. لكن الفرق أن هذه الحالة عادة ما تكون مؤقتة، حيث لا تحدث تلفًا دائمًا في القلب، على الرغم من أن الأعراض قد تكون شديدة.

متلازمة القلب المكسور تظهر بوضوح عند الأشخاص الذين يعانون من تجربة عاطفية شديدة، مثل الصدمة، الإهانة أو الفقدان.

وعادة ما يصاحب هذا الاضطراب أعراض مشابهة لأزمة قلبية حقيقية مثل ألم الصدر، وضيق التنفس، وزيادة معدل ضربات القلب. لكن الفرق هو أن القلب يعود إلى حالته الطبيعية في فترة من الزمن بمجرد أن يتحسن الوضع النفسي للشخص.

رسالة إلى كل مسئول

تذكّر أن من أمامك إنسان له كرامة، وله مشاعر، وله تاريخ من العمل. وإن كنت تملك سلطة اتخاذ القرار، فإنك لا تملك إذلال الناس. عاملهم كما تحب أن تُعامل، وكن قائدًا لا جلادًا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه” ولم يقل أن يصرخ فيه أو يهينه. بل كان نبينا الكريم إذا دخل عليه أحد، أشعره بالأمان قبل الكلام، واحتواه حتى في الخطأ.

الرحيل الصامت.. والدرس الصاخب

رحل الأستاذ أسامة، لكن صدى رحيله مدوٍ. لقد ترك فينا درسًا لا يُنسى: أن نُحسن القول، ونُراقب تصرفاتنا، ونعلم أن الكلمة قد تفتح باب أمل، أو تُغلق قلبًا إلى الأبد.

فلنتّقِ الله في من نُديرهم، فإنهم أمانة، ولنصنع بيئة عمل عنوانها الاحترام، لا التهديد. فالقلوب ليست آلات، والكلمات ليست هواءً عابرًا.. بل قد تكون خنجرًا في جسدٍ متعب.

إن ما حدث لا يمكن أن يمر مرور الكرام، ويجب أن يكون درسًا لا يُنسى لكل من يحمل في يده سلطة. الكرامة الإنسانية هي الحق الأسمى لكل فرد، سواء كان معلمًا أو موظفًا أو مسئولًا. وإذا كان وزير التربية والتعليم نفسه هو من يساهم في هدم هذه الكرامة، فمن المسؤول إذن عن احترام العاملين في هذا القطاع؟

نطالب بمحاسبة وزير التربية والتعليم وكل مسئول يستهين بكرامة العاملين في الحقل التربوي.

يجب أن يتوقف هذا الاستهتار، ويجب أن يتم محاسبة من ساهم في إهانة وتدمير صحة من كان قدوة في عمله.

من غير المقبول أن تمر مثل هذه الحوادث دون أن يتحمل المسؤولون عواقب تصرفاتهم التي تساهم في تدمير معنويات العاملين في المؤسسات التعليمية.

الكرامة ليست ترفًا، بل هي حق لا يمكن التنازل عنه. ولن نسمح بأن تظل المؤسسات التربوية مرتعًا للتسلط والتعنيف.

ليتنا نتعلم أن من يهين الناس يهين نفسه أولًا، وأن من يسلب كرامة الإنسان قد يفتح الباب لانهيار إنساني أكبر. نحن بحاجة إلى أن نتوقف عن تجميل الصورة، وأن نواجه الحقيقة: التعليم لا يُبنى بالتهديد والتسلط، بل بالاحترام المتبادل والعمل المشترك.

إلى أن تتحقق المحاسبة، سيظل سؤال واحدًا يتردد في قلوبنا..

هل ستظل الكرامة تُهان باسم السلطة؟

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي