أدبيثقافةمقالات متنوعةنثر

هوامش غير قابلة للطي_أعمدة خفية_هبة محمد زغلول

هوامش غير قابلة للطي

أعمدة خفية

بقلم: هبة محمد زغلول

 

كل ما يلي، مجرد محاولة لتثبيت ظلّ عابر قبل أن يذوب.

ضحكات قصيرة، قفزات عشوائية، سباق على الدرج، رائحة مخبوزات تخرج من الفرن… صور من الطفولة لا أتذكر سياقها بدقة، لكن أثرها ما زال يسكنني.

أحيانًا لا يبقى من اللحظة إلا صداها، كشرارة تضيء فجأة جانبًا من ذاكرتي كنت نسيت وجوده.
الطفولة لا تترك لنا حكاية مكتملة، بل شظايا دفء متناثرة… أعمدة خفية تحملنا في صمت، دون أن نلتفت إليها..
الأشياء التي نطمئن إلى بقائها هي أول ما نهمله، وأثقل ما يوجعنا حين يلوح ظل فقدها.

صوت يناديني من بعيد، فيغدو البيت كله أكثر اتساعًا وأمانًا.
ضوء خافت من شباك مفتوح على صباح جديد.
كلها تفاصيل بدت عابرة، لكنها هي ما شكلتنا في العمق، حتى ونحن نغفل عنها.
الغفلة هي عدو التفاصيل، والغياب هو منبهها القاسي.
كرسي فارغ واحد يكفي ليجعل الصمت أعلى من أي ضجيج.
وصورة بهتت ألوانها في مخيلتنا، كافية لإعلان استسلام الحياة في زاوية كاملة من الذاكرة.
هكذا يفعل القدر، يضرب طمأنينتنا التي اعتدنا عليها بسيف الإيلاف، ليدفعنا إلى المضي قسرًا بركيزة عرجاء، باحثين عن أرض جديدة نوهم أنفسنا أنها ستغدو يومًا دار مستقرٍ ومقام.
نؤجل الامتنان إلى أن يأتينا الامتحان، فنكتشف أن ما كنا نعتبره خلفية صامتة هو الركيزة الحقيقية لحياتنا.

لا أحد يتذكر أن يشكر السقف لأنه ثابت فوقه، حتى يتصدّع.
ولا أحد يلتفت إلى الضوء إلا حين ينقطع.
ربما نحتاج أن ندرب قلوبنا على الانتباه قبل أن يوقظها الفقد.
أن نرى في الحاضر ما سنبكيه غدًا… أن نلتقط الحب في أصغر إيماءة يد تعد الفطور بصمت، نداء باسم يخصنا وحدنا، أو حتى ضحكة طفلة لا نعرف سببها لكنها تحمل العالم كله في رنينها.
الحياة هي مجموع تلك التفاصيل الصغيرة، التي تتسرب من بين أصابعنا، ثم تبقى معنا كأثر بعد أن يغادر أصحابها.
وربما لهذا، حين نلتفت أخيرًا، نكتشف أننا لم نكن لنصمد يومًا لولا تلك الأعمدة الخفية التي حملتنا بصمت.

فالحياة لا تحدث فقط في الحكايات الكبيرة… بل في الفُتات، في الصمت، وفي العادي جدًا.
لنحتفظ بها كهوامش غير قابلة للطي..

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي