
العِوَض الذي لا يُخطئ طريقه حين يأتي بما لم نتوقّع
بقلم: د/ أحمد النجار
ويأتي العِوَض على هيئة أشخاص، أو مواقف، أو فرص، أو حتى لحظات هدوءٍ وسلامٍ لم تكن في الحسبان. كم من أمرٍ فقدناه فظنناه نهاية الطريق، فإذا به بداية جديدة لحياة أنضج وأجمل. فالعِوَض الحقيقي لا يكون دوماً مالاً أو مكانةً أو نجاحاً، بل قد يكون راحة في القلب بعد طول اضطراب، أو بصيرة بعد حيرة، أو يقيناً بعد شكٍّ أنهك الروح.
يقول الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
[البقرة: 216]
هذه الآية تختصر فلسفة العِوَض الإلهي، فكم من طريقٍ أغلقه الله أمامنا ليقودنا إلى طريقٍ أفضل لم نكن لنراه لولا ذلك الإغلاق. لا يحدث شيء في حياتنا عبثاً، فكل تأخيرٍ فيه إعداد، وكل حرمانٍ يحمل في طياته لطفاً خفياً لا ندركه إلا لاحقاً.
العِوَض أحياناً يُمنح في هيئة تأخّر، وأحياناً في هيئة فقد. فقد يكون الله قد منعك لتتعلم الصبر، أو أخّر عنك ليختبر ثباتك، أو صرف عنك من ظننته خيراً ليحميك مما لم تكن تراه.
المنع في جوهره ليس عقوبة، بل حماية ورحمة. يقول ابن القيم رحمه الله:
“لو فُتح الغيب لعبدٍ لاختار ما اختاره الله له.”
وهذه الحكمة تُلخّص معنى الثقة في تدبير الله، إذ يعلم سبحانه متى يعطي ومتى يمنع، وفي كليهما خير.
العِوَض أيضاً ليس دائماً خارج نفسك، فقد يُعوّضك الله بسلامٍ داخلي لم تعرفه من قبل، أو بقدرةٍ على التسامح بعد جرحٍ عميق، أو بنضجٍ يجعلك أقوى مما كنت. فبعض العِوَض يكون فيك لا حولك، وفي داخلك لا في محيطك. هناك من يُعوّضه الله بصفاء نية، وآخر بحكمةٍ في الاختيار، وثالث بقلبٍ صار أقدر على التحمّل والعطاء.
ويقول تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
[الشرح: 5-6]
لم يَعِد الله بعُسرين، بل أكّد وجود يُسرين مع كل عُسر، تأكيداً أن الفرج لا يغيب وإن طال انتظاره. وربما يكون عِوَضك في كلمةٍ طيبة تُقال لك في لحظة ضعف، أو في لقاءٍ يعيد لك الإيمان بالأمل، أو في صدفةٍ تُنقذك من مسارٍ لم يكن لك فيه خير.
العِوَض لا يأتي دائماً بصوتٍ مرتفع، بل يتسلّل بهدوء كنسمةٍ تُنعش القلب بعد خنقة الحزن. قد لا تراه حينها، لكنه يُحدث في داخلك تغيّراً عميقاً يجعلك أكثر امتناناً لما كان يبدو يوماً وجعاً. ومع مرور الوقت تدرك أن ما ظننته خسارة كان في الحقيقة إنقاذاً، وأن الله لم يكتب لك إلا ما فيه صلاحك.
قال تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
[النساء: 19]
وهذا “الخير الكثير” قد يكون في حكمةٍ، أو في تهيئةٍ لمرحلةٍ جديدة، أو في إشعارك بأنك لم تكن وحدك في الطريق. العِوَض لا يُقاس بحجمه بل بأثره في قلبك.
وفي نهاية المطاف، حين تنظر خلفك ستدرك أن كل ما حدث كان لحكمة، وأن الله لم ينسَ لحظةً وجعك ولا تأخّر فرحك إلا ليُهيّئك لعِوَضٍ يليق بك. فاثبت واطمئن، لأن ما كتبه الله لك لن يُخطئ طريقه أبداً.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[التوبة: 120]
العِوَض سيأتي، ولو بعد حين، في هيئةٍ لم تتوقّعها، في وقتٍ ظننته متأخراً، لكنه عند الله أدقّ توقيتٍ وأجمل قدر.













