مقالات متنوعة
أخر الأخبار

حين التصقنا بهواتفنا المحمولة.. كما التصق الصحابة بالقرآن.

حين التصقنا بهواتفنا المحمولة.. كما التصق الصحابة بالقرآن.

بقلم: د. أحمد النجار 

 

كنتُ أتأمل في حال الصحابة رضوان الله عليهم، حين أسمع أن أحدهم كان يختم القرآن في يوم، وآخر في ثلاثة، وثالث في أسبوع، فأتعجب.. كيف يجدون الوقت؟ وكيف تسع قلوبهم هذا النور كل يوم؟! كنت أظنها مبالغة، أو صورة مثالية بعيدة عن واقع البشر، حتى جاء هذا العصر الذي التصق فيه الموبايل بأيدينا، وصارت العيون لا تفارق شاشاته، والأنامل لا تكل من التمرير والتقليب، والساعات تنقضي كأنها لحظات. عندها فقط أدركت أن القضية ليست في الوقت، بل في القلب أين يتجه، وفي الإرادة أين تُصرف.

لقد أثبتت لنا التقنية الحديثة أن الإنسان إذا أحب شيئًا، وجد له الوقت، ولو كان يومه مزدحمًا حتى آخر دقيقة. فالذي يتصفح مواقع التواصل لساعات، ويشاهد المقاطع القصيرة واحدة تلو الأخرى دون أن يشعر بالملل، هو ذاته الذي كان يمكنه أن يعيش مع القرآن بنفس الحضور لو صرف همّته إليه. قال الله تعالى:

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾

[القمر:17]

أي أنه ميسَّر لمن أراد، ومفتوح لمن أقبل، لكنّ القلب إن انشغل بغيره أُغلق دونه الباب.

كان الصحابة يعيشون مع القرآن لا كمجرد كلمات تُتلى، بل كحياة تُعاش. يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “كنا نتعلم العشر آيات فلا نتجاوزهن حتى نعمل بما فيهن من العلم والعمل”، فكانت علاقتهم بالقرآن تربية وتغييرًا، لا عادةً ولا ترديدًا. أما نحن اليوم، فكم نقرأ من الشاشات دون أن نعي، وكم نحفظ من التغريدات أكثر مما نحفظ من الآيات.

ومن العجيب أننا صرنا نحمل في جيوبنا مصحفًا إلكترونيًا في كل لحظة، ومع ذلك يقل الورد ويضعف الحضور. ربما لأن القرآن يحتاج إلى قلب حاضر، لا إلى تطبيق مفتوح. قال رسول الله ﷺ:

“اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه”

(رواه مسلم)

فتأمل قوله “لأصحابه”، أي الذين عاشوا معه وصحبوه، لا الذين مرّوا عليه مرور العابرين.

لقد أدركت حينها أن الصحابة لم يكن لديهم “موبايل” يشغلهم، ولا “إشعارات” تسرق انتباههم، لكن كان لديهم قلوب مشغولة بالآخرة، وأرواح متصلة بالله لا تنقطع. ونحن اليوم غمرتنا الدنيا بضجيجها، حتى غاب عنا ذلك الصفاء الذي يجعل ساعة مع القرآن تعدل عمرًا من السكينة. قال الحسن البصري رحمه الله:

“تفقدوا الحلاوة في ثلاثة: في الصلاة، وفي القرآن، وفي الذكر، فإن لم تجدوها فاعلموا أن الباب مغلق”.

كم نحتاج أن نعيد ترتيب أولوياتنا، أن نستبدل “التمرير” بتلاوة، و”الإعجاب” بتدبر، و”المشاركة” بنشر الخير. فلو أن كل ساعة نقضيها أمام الهاتف وُجهت لآية واحدة نتدبرها، لتبدلت حياتنا. قال تعالى:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾

[محمد:24]

فالمشكلة ليست في كثرة المعلومات، بل في غياب التأمل، ولا في ضيق الوقت، بل في تشتت النية.

حين نقرأ سيرة أولئك الذين ختموا القرآن في ليلة، نفهم أنهم لم يفعلوا ذلك بجهد الجسد، بل بقوة القلب، لأن القرآن كان لهم غذاءً، لا عبئًا. واليوم، يمكن لكل واحد منا أن يبدأ بخطوة صغيرة، بوردٍ يومي لا يُقطع، وبنية صادقة أن يكون له مع القرآن صحبة كما كانت لهم. فليس المطلوب أن نقرأ كثيرًا، بل أن نعيش مع ما نقرأ.

ولعل أجمل ما نختم به قول ابن القيم رحمه الله:

“من أراد الانتفاع بالقرآن فليجمع قلبه عند تلاوته وسماعه، وليلقِ سمعه، وليحضر حضور من يخاطبه به من تكلّم به سبحانه إليه”.

فيا ليتنا نعود كما كانوا، نُمسك بالمصحف كما نمسك بالهاتف، ونطيل النظر في الآيات كما نطيله في الشاشات، لعل الله يردّ قلوبنا إلى نورها الأول، ويجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته.

 

د. أحمد النجار

أستاذ ورئيس قسم علوم الحاسب، كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، جامعة بني سويف. نائب مدير مكتب التصنيف الدولى، جامعة بني سويف مؤسس ورئيس المجموعة البحثية الابتكارية SIGR كاتب صحفي بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي