أدبيثقافةمقالات متنوعة

هوامش غير قابلة للطي_أوقات مستعملة_هبة محمد زغلول

هوامش غير قابلة للطي

أوقات مستعملة

بقلم: هبة محمد زغلول

 

كل ما يلي، مجرد محاولة لتثبيت ظلّ عابر قبل أن يذوب.

كان الضباب كثيفًا ذلك الصباح، ورغم ذلك استقر الرجل العجوز في الميدان كما اعتاد منذ زمن لا يعلمه أحد.
يتوسط الميدان باسطةً أمامه بضاعته على طاولة خشبية متآكلة، تراصت عليها زجاجات صغيرة، يسبح داخل كلٍ منها شيء يشبه الضباب، أو بقايا غيمة لم تكتمل.
وعلى لافتته باهتة كُتب بخطٍ مهتز:

وقت مستعمل… صالح لإعادة الاستخدام.”

يُقال إن تلك الزجاجات ليست عطورًا، بل أوقاتًا مبللة بالذاكرة:
رائحة الضحكة الأولى، رعشة لقاءٍ لن يتكرر، دقيقة ندم، مساء ناقص، أو انتظارٍ لم ينته بعد.
يمرّ المارة مترددين، يحدقون في الزجاجات كما لو أنها تشعر بهم، ثم يواصلون السير.
فقط قلة قليلة تتجمد أمام الطاولة، يحدقون في تلك الغيمات وأعينهم تجول بين اللحظات المبعثرة أمامهم على الطاولة.
العجوز لا يسمح لأحد بفتح زجاجة في حضرته.
فالناس يشترونها سرًا، يفتحونها في غرفهم حين يشتد الحنين، فيفيض عليهم الزمن المسكوب لبضع دقائق… ثم ينطفئ.
يظنون أنهم يستعيدون ما ضاع، بينما الحقيقة أنهم يدفعون ما تبقّى منهم… مقابل لحظة ماتت أصلًا.
أما البائع، فلا يُعرف من أين يجلب تلك الروائح.

يُقال إنه يجمعها من أنفاس الراحلين، ومن الدقائق التي لم تُعاش كما يجب.

حرصت على مراقبة وجوه زبائنه، تكاد تتكرر نفس الوجوه كل أسبوع، ألاحظ الشحوب يزداد أسبوعًا بعد آخر، وانحناءة الظهر تتعمق.
لم أرَ أحدًا يعود أكثر امتلاء… فقط أكثر فراغًا.
ورغم ذلك يعودون لبائع الوقت
لم يبد لي مطلقًا أنهم يفوزون بالمزيد من الوقت بل تتبدد أوقاتهم، كما لو أن استنشاق الماضي يأكل من أعمارهم.
تجرأت يومًا وسألت أحدهم:

“ما الذي يجعلكم تعودون؟”

فقال وهو يعصر الزجاجة بين أصابعه:

“لأن ما كان… يبدو دائمًا أكمل مما يكون.”

حدق في الفراغ كأنه يرى ما لا يراه سواه وعينا تغيمان بالدمع وهو يتابع:
” نُعيد لحظة فقدناها وكذلك فقدها قبلنا من لم يُحسن استغلالها، نشتريها في محاولة يائسة لإعادة اللحظة لعل …”
اغمض جفنيه ليحبس دمعه كادت تفلت ثم أضاف بصوت مكسور:
“لكن بمجرد أن نفتحها… تتلاشى الرائحة، وتبقى الفجوة.”
ما السر خلف الركض المحموم خلف لحظات معطوبة، وهم استجداء ذكرىات بالية
وفي يوم لم أكتفِ بالمراقبة.
أمسكت بإحدى الزجاجات بداخلها ما يشبه شرارة البرق الصغير، سألا العجوز:

“أي من الأوقات هذه؟”
ابتسم ببطء وأخبرني:
“شرارة الحب الأولى”

نظرت إليها طويلًا قبل أن اتركها والتقطت أخرى فيها قطرة معلّقة في الفراغ.

“وهذه؟”
قال بثباتٍ غريب:
“دقيقة واحدة… قبل الفقد.”

ارتجفت أصابعي حتى كادت تسقط الزجاجة من بينها.
كيف التقطت يداي إلا أعنف ما أخشاه؟
هل يعقل أن يكون العجوز عرافًا؟ أم أنه خبير بعلة النفوس ويبتاعني الوهم؟
أم أننا جميعًا نحوم حول الجرح نفسه؟
خرج السؤال من فمي لا إراديًا:

” وما أغلى ما تبيع؟”

فأخرج زجاجة صغيرة بلا اسم، وقال:

“هذه رائحة الوقت نفسه، لكن لا أحد يبيعها أو يشتريها.
هذه لا تُفتح إلا مرة واحدة… حين لا يبقى وقت.”

ابتعدت عن الطاولة وأنا اشعر عن كل ما عليها لعنات محبوسة.
وبينما أبتعد، سقط ظلٌّ طويل على الطريق أمامي.
انعطفت لأرى مصدره…
كان العجوز قد اختفى،
وتبقى مكانه كرسيٌ فارغ وزجاجة مفتوحة واحدة.
شعرت برائحة خفيفة تسبح في الهواء.
لم تكن رائحة زجاجة اشتراها أحدهم…
ولا رائحة زمن منقضي.
كانت رائحة هذه اللحظة بالذات:
دقيقة عبور بين أن أبقى كما كنت، أو أبدأ من جديد.
لحظة خام، بكر، لم تُستعمل، ولم يسبق أن عاشها أحد.
عندها فقط فهمت ما لم يقله العجوز قط:

أن الحياة لا تُحفظ في زجاجات، والوقت لا يعود حين نستدعيه…
بل يتسرب منا ونحن نراقبه.
الوقت الوحيد الذي يمتلك رائحة أصلية…هو الذي نعيشه الآن.
وعلينا أن نحياه قبل أن يصير… “مستعملًا”

فالحياة لا تحدث فقط في الحكايات الكبيرة، بل في الفتات… في الصمت… وفي العادي جدًا.

لنبقها كما هي؛ هوامش غير قابلة للطي…

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي