مقالات متنوعة
أخر الأخبار

ذكريات رمضانية

ذكريات رمضانية

بقلم: مصطفى نصر 

 

ذكريات رمضانية في السودان..

كان الناس قديماً يستقبلون الشهر الفضيل بشغف لا يوصف، فقبل أيام من رؤية الهلال، كانت أمهاتنا وأخواتنا يضعن “الخطة” الكبيرة لتنظيف البيت من أعلاه إلى أسفله، وشراء الآنية الخاصة بالشهر المبارك، حتى لو كان يتوفر منها الكثير.

وكانت الاستعدادات تعد قبل ثلاثة أسابيع لشراء التمر الجديد، وتحضير الجرار الكبيرة للكركديه والحلو مر والتمر هندي، بالاضافة الى طقوس الإعداد للمشروب الشعبي الأول في السودان في رمضان وهو ما يسمى بـ(الحلو مر) أو ما يعرف أيضاً بـ(الآبري) وسوف نفصل حوله بعد قليل.

لكن أجمل ما في الأمر كانت زفة رمضان في ليلة رؤية الهلال، حيث كان يمر بمدينتنا موكب مهيب من رجال الطرق الصوفية، وعامة المواطنين والمسؤولين بالمجلس البلدي والمجلس الريفي وموسيقى الشرطة تعزف قطع موسيقية مستوحاة من أهازيج دينية استقبالا للشهر الكريم.

وتبرز قبل بداية هذا الشهر الكريم أشكال مختلفة من الرغبة في تصفية النفس من المشاحنات والقطيعة مع الناس نتيجة المشاكل، فتبدأ حالات من التواصل الإنساني، والتكافل الاجتماعي، وإعلاء قيم التسامح، التي عادة ما تكون لصالح صلة الرحم، وإنهاء الخصومات عبر رجال المصالحات الذين يطلق عليهم «الأجاويد»، وهم غالبًا ما ينتمون إلى دعاة في الحركات الإسلامية، ومشايخ من الطرق الصوفية.

وكبار أعيان المجتمع يتوسطون لتصفية النفوس؛ وإعادة العلاقات لمسارها الطبيعي، حتى ولو أدى الأمر لجبر الخواطر بتعويضات مالية، حيث يقوم هؤلاء الكبار بجمع أموال جبر الضرر من جيوبهم الخاصة في حالة فقر من عليه جبر الضرر.

ثم يبدأ من هذه اللجان نفسها حصر الفقراء والأرامل والأيتام لمحاولة إدخال البهجة والسرور لنفوسهم بتبرعات عينية من الفائض من منزلك من حبوب وتمور ومستلزمات رمضان أو ملابس وأحذية الأطفال للعيد، أو بمساهمات مالية بقدر ما تستطيع كل أسرة دون إثقال ولا تكليف.

وكان الناس يحرصون على عدم الإفطار داخل المنزل كما يحدث الآن، بل كان جميع الرجال يخرجون بطعامهم ويجتمعون في الشارع لضمان أن المارة والطلاب المغتربين والفقراء يفطرون جميعاً بدون حرج، وما زالت بعض المناطق تحافظ على هذه العادة الأشبه بموائد الرحمن، حتى يومنا هذا.

وكانت ثمة مظاهر شمية، تدل على اقتراب الشهر الفضيل، حيث تشم روائح نفاذة منعشة تفوح من المنازل هي رائحة ما يسمى بالحلو مر، الذي يحتوي على روائح خلطة من البهارات منها القرفة والقرنفل والهبهان.

كانت طقوس شهر رمضان المبارك أعاده الله علينا وعليكم بالخير، تبدأ قبل أسبوعين أو ثلاثة من أول أيام شهر رمضان، بتزيين الطرق والمساجد من الرجال، حيث تنشغل النساء بتجهيز الحلو مر ويسمى أيضاً (الآبري) المشروب الشعبي الأول في السودان، عبر عملية تقليدية دقيقة تبدأ بتنبيت الذرة (الزريعة) على الخيش، ثم تجفيفها وطحنها، ثم خلطها ببهارات عطرية (قرفة، زنجبيل، قرنفل، عرديب، حلبة) لتصنع عجينة تخمر ثم (تخبز) على صاج ساخن كرقائق، تُحفظ جافة، وعند الحاجة تُنقع في الماء، تصفى، وتحلى بالسكر لتُقدم باردة، وهو مشروب رمضاني يحبه الجميع، ولا يعتبر شهر رمضان ذي قيمة إلا بحضور هذا المشروب في المائدة الرمضانية. 

خطوات إعداد الحلو مر (الآبري) بالتفصيل:

1. الزريعة (التنبيت):

يتم غسل ذرة (غالباً نوع الفتريتة) ونقعها في الماء لمدة يوم.

توضع على خيش وتُرش بالماء يومياً لعدة أيام (حتى تنبت ويخرج منها الزرع).

يُقص الزرع (الأوراق الخضراء) ويتم التخلص منه، وتُجفف الذرة النابتة تحت الشمس.

2. الطحن والتحضير:

تُطحن الذرة النابتة المجففة لتصبح دقيقاً ناعماً.

تُخلط الذرة المطحونة ببهارات مميزة تشمل: القرفة، الزنجبيل، القرنفل، الحلبة، الكمون، الكزبرة، الهبهان، العرديب (تمر هندي)، والكركديه.

3. التخمير والعواسة (الخبز):

يتم عمل “مديدة” (عصيدة نية) من الدقيق والبهارات، وقد يُضاف إليها “عجين مر” وتُترك لتتخمر لمدة يومين إلى ثلاثة أيام.

تُخبز العجينة على صاج ساخن جداً وتسمى هذه العملية (العواسة) لتصبح رقائق خفيفة جداً تشبه المناديل، ثم تُجفف الرقائق وتُحفظ.

ويعد الحلو مر جزءاً من التراث الاجتماعي السوداني، حيث تبدأ طقوس (العواسة) بتجمع نساء الحارة كلهن في منزل محدد وفق لجدول كل يوم في منزل، فيوم “العواسة” تتجمع فيه النساء ليتناوبن لإعداده بكميات كبيرة قبل شهر رمضان، وسط طقوس تحضر فيها القهوة مع التمر والفول السوداني وواجبات صغيرة من الفشار والفطائر والزلابية، ثم تنتقل جميع النساء لمنزل آخر في اليوم التالي وفقا الجدولة صارمة٠

* إعداد المشروب:

يتم نقع رقائق الآبري في ماء بارد (يفضل من منتصف النهار)، ثم يُصفى المحلول، ويُضاف إليه السكر حسب الرغبة، ويُقدم بارداً، وهو مشروب لذيذ لأنه يجمع بين المذاقين الحلو والمر.

وبعد هذه بعض ملامح الحفاوة بشهر رمضان المبارك في طفولتنا وشرخ الشباب.

مصطفى نصر

صحفي وباحث متخصص في الأدب والتثقيف، يتمتع بخبرة في العمل الإنساني والتوعية المجتمعية، وله دراسات متعددة في الإعلام والتعليم الإلكتروني. كاتب بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي