
لم أغيّر رقمها بقلم:حنان الشيمي
لم أغيّر رقمها رغم أنني غيّرت كل شيء.
المدينة عاداتي أوقاتي حتى نبرة صوتي حين أقول “أنا بخير”.
لكن رقمها بقي محفوظًا كما هو باسمٍ بسيط:
“أمي” لم أحذفه ولم أتجرأ أن أعدّله.
كأن حذف الاسم اعترافٌ لا أريده.
في البداية كنت أتصل أضغط على زر الاتصال وأنتظر، كان الهاتف يرن طويلًا
بنفس النغمة التي كنت أعرفها عن ظهر قلب.
أعرف متى سينتهي الرنين وأعرف أنها لن ترد ومع ذلك كنت أنتظر للنهاية أتنهد طويلا ثم أُغلق.
مرّ الوقت ولم أتوقف عن الاتصال حتى صار الرقم لم يعد موجودا بالخدمة.
في كل مرة يحدث شيء أريدها أن تعرفه،شيء صغير جدًا أو كبير جدًا أفتح الهاتف أدخل على الاسم أقرأه اتصل به
“أمي” كأن الكلمة نفسها تحاول أن تعوض الغياب.
في كل المرات يرنّ الهاتف.
مرة…
مرتين…
ثلاث…
قلبي كان يدق أسرع من الرنين.
وفي لحظة تتوقف النغمة يسكت الهاتف.
ويسكت كل شيء وتظهر الجملة المعتادة:
“لا يمكن الوصول إلى الرقم المطلوب.”
أظل أنظر إلى الشاشة كأنني أنتظر معجزة صغيرة خطأ تقني أي شيء.
ثم لاحظت شيئًا “هذا الرقم لم يعد في الخدمة.”
وقفت للحظة، جملة بسيطة جدًا لكنها أنهت كل الاحتمالات التي كنت أعيش عليها.
لم يعد “مش بترد”.
لم يعد “يمكن”.
لم يعد “لسه في وقت”.
في كل مرة أفتح الهاتف أدخل على الاسم الذي ظل كما هو: “أمي”
لكن لم يكن رقمًا يمكن الاتصال به.
بل كان ذكرى محفوظة في هيئة رقم.
ومن يومها لم أحذف الاسم لأنني أدركت أخيرًا أن بعض الغياب لا يحتاج دليلًا أكبر من رقم لم يعد موجودًا.









