أدبي

حكاية الحطّاب والأميرة 

الكاتبة: تمارا غزولي

كان هناك حطّاب فقير، يخرج كل صباح إلى الغابة الماطرة، يجمع الحطب ويبيعه في مملكة الزمرد، ليقتات من ثمنه ويشتري زاد يومه.

كان راضيًا بحاله، لا يشكو فقرًا ولا يطلب غنى، يكتفي بابتسامات الناس، وبالود الذي يلمحه في أعينهم كلما مرّ بينهم.لم يكن أحد يجرؤ على دخول تلك الغابة سواه، لذلك اعتاد الناس أن يطلبوا منه الأعشاب الشافية، وماءً عذبًا من جدولٍ غامض، يُقال إن له سرًا عجيبًا يحفظ الشباب ويطرد الشيخوخة.

ذات صلة

وصلت أخبار هذا الحطّاب الشجاع إلى أميرة المملكة، فطلبت لقاءه.

وحين رآها… سقط قلبه أسيرًا لجمالها.

ومنذ ذلك اليوم، صار يأتيها كل صباح، يحمل لها قارورة من ماء الجدول، ويهديها أشياء غريبة من الغابة:

وردة لا تذبل، إذا وضعتها في شعرها فاح منها عطر الربيع…

وأوراق أشجار ملوّنة، إن وضعتها خلف أذنها تغيّر لون عينيها…

وأعاجيب أخرى لا يصدقها عقل، وحكايات مثيرة لا تنتهي، يرويها لها يوميًا، فتكون حجته لإطالة الجلوس بقربها.ومع مرور الأيام… مالت الأميرة إليه، لكن قلبها فلم يجرؤ على الاعتراف له بذلك

إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان…تقدم ابن عمها لخطبتها.

رفضت الأميرة، لأن قلبها كان يميل إلى الحطّاب، لكنها لم تفصح عن ذلك.

وأمام إصرار والدها، ذاب قلبها حسرة، فهو ليس من حديد، ودخلت في حزنٍ شديد أفقدها القدرة على الحركة، وعجز الأطباء عن علاجها، حتى أعشاب الغابة لم تجدِ نفعًا مع قلبها المكلوم.

حينها، أمر الملك الحطّاب أن يساعده في إنقاذها، ووعده أنه إن شُفيت، زوّجه إياها.

وافق الحطّاب، ودخل الغابة، متوجهًا إلى ساحرتها العمياء.

قصّ عليها ما حدث، وطلب مساعدتها، فلم يعد قادرًا على رؤية حبيبته تغرق في ألمها الصامت…دون حراك وكانت تلك أيضًا فرصته لينالها زوجة بمباركة المملكة كلها.

وافقت الساحرة، لكن بثمنٍ قاسٍ:

أن تأخذ بصره.

لم يتردد الحطّاب ولو للحظة، وأبرم الصفقة فورًا.

قالت له:

“اذهب، ودعهم يُعدّون الاحتفال بزواجك منها، وسآتي مساءً لأعزف ألحانًا تعيد الحياة إلى الأميرة.

لكن تذكّر… مع بزوغ الشمس، تعود إليّ لتعطيني عينيك، وإلا أطلقت لعنتي عليك وعلى أهل المملكة.”

وافق، وأخفى السر في قلبه، وحاول ألا يفكر فيه حتى لا يعكّر بهجة زفافه.

تردد الملك، لكنه وافق، إذ لم يكن بيده حيلة، وهو يعلم أنه إن لم تُشفَ ابنته، فسيأمر بقطع رأس الحطّاب.

وجاءت ساعة الاحتفال…وبينما كانت المملكة تغرق في الفرح، تسللت الساحرة، وبدأت تعزف على نايها ألحانًا سحرية.

وما إن سمعت الأميرة تلك الألحان، حتى انتعش قلبها، وسرت الحرارة في جسدها، وعادت الحركة إلى أطرافها، ونطقت من جديد.

تضاعف الفرح في المملكة، واحتفل الناس طوال الليل.

وأمام سعادة الأميرة ولهفتها على زوجها الحطّاب، لم يستطع أن يخبرها بما ينتظره… ولم يشأ أن يعكر صفو ليلتهما الأولى.

ومع بزوغ الفجر…تسلل الحطّاب من القصر، وعاد إلى الغابة.

وقف أمام الساحرة، حزينًا، يرفع بصره إلى السماء يودّع زرقتها، ويلمس الأزهار يودّع ألوانها…

وما إن عزفت الساحرة على نايها… حتى فقد بصره.

لم يملك الشجاعة ليعود إلى زوجته، خاف أن ترفضه حين تراه أعمى، وخاف أكثر أن ينكسر قلبها عليه.

فعاد إلى كوخه، وانزوى فيه أيامًا وشهورًا.

أما الأميرة، فقد فقدت صوابها وهي تأمر الحراس بالبحث عنه، حتى خطر لها أن تتوجه إلى كوخه عند طرف الغابة، فهي الوحيدة التي تعرف مكانه، إذ لم يخبر به أحدًا.

وعندما وجدته… كادت تفقد عقلها فرحًا، لكنها ما لبثت أن استفاقت على فاجعة حاله.

قصّ عليها ما جرى…فارتمت في حضنه، وبكت حتى جفّت مآقيها.

وبقيت معه في كوخه، تعتني به في نهاره، وتؤنس وحدته في ليله… لكنها لم ترضَ أن يبقى حبيب قلبها على تلك الحال.

فعزمت أن تدخل الغابة، وتواجه الساحرة.وتطلب منها أن تعيد بصره.

قالت الساحرة:

“أفعل… مقابل حياتك.”

صُدمت الأميرة، لكنّها لم تتردد… فوافقت، كرمًا لزوجها وتضحيته من أجلها.

تمت الصفقة.

عزفت الساحرة على نايها… فعاد بصر الحطّاب.

وحين شعر الحطّاب أن أمرًا جللًا قد حدث، أصرّ عليها أن تخبره.

اعترفت له…

وأنها، مع بزوغ الشمس، ستفارق الحياة.

حينها…جنّ جنون الحطّاب.

فأشعل نارًا ضروسًا في الغابة… نارًا لم يُرَ لها مثيل.

امتدت والتهمت الأشجار…والحيوانات وكل ما تأتي عليه، ثم طالت الساحرة فأحرقتها.

لكن النار لم تتوقف…بل ازداد اشتعالها،وامتدت تلتهم كل ما تلقفه، حتى خرجت من الغابة، وابتلعت المملكة وسكانها…حتى باتا كل شيئًا رمادًا…رمادًا خطّ أبجدية أغرب قصة حب

عرفتها البشرية.

 

شيماء الجمل

شيماء الجمل، حاصلة على بكالوريوس إدارة أعمال – تخصص إدارة مالية من الأكاديمية العربية. تعمل في تقييم الأعمال الأدبية، بدور نشر متعددة، ولها مساهمات في نشر وتحرير كتب مجمعة. نشرت قصصًا قصيرة في كتب إلكترونية ومطبوعة، وتشغل حالياً مسؤولية القسم الأدبي في جريدة العدد الأول. تهتم بالسرد الأدبي والكتابات الثقافية المتنوعة.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي