مقالات متنوعة
أخر الأخبار

بقلم رصاص

بقلم رصاص

بقلم: د. مروة حمدي

 

حينَ دخلتُ كليةَ التربية، قسمَ اللغةِ العربيةِ والدراساتِ الإسلامية، لم أكن أشعر أنني أمضي إلى تخصُّصٍ بعينه، بقدر ما كنتُ أشعر ـ في غموضٍ لا أستطيع تفسيره ـ أنَّ يدًا خفيَّةً تدفعني نحو شيءٍ أجهله.

فقد كان الهوى يومئذٍ يذهب بي إلى الإعلام ، وأحسب أنَّ للكلمة منبرًا واحدًا هو الصحيفة أو المذياع لكن اليد سطرت تربية، وما علمتُ أنَّ بعض الكلمات لا تُقال للناس إنما للروح؛ لتنهض بها من خرابها الخفي.

وكان أوَّلُ ما استقبلني من الدرس في محاضرة الدراسات الإسلامية تفسيرُ قصة يوسف من مظور مجتمعي، فسمعتُها يومئذٍ كما يسمعها أكثر الناس:

حكايةَ أبٍ وابنه، وعشقِ امرأةٍ، وسجنِ مظلومٍ، وتأويلِ رؤيا -وأحسبني علقت بتأويل تأويل الرؤيا- فكنتُ أقرؤها بعقل السنِّ، لا بعمر القلب.

ثم دارت بي الحياة دورتها، وأخذت منِّي وأعطتني، ومرَّت على روحي فصولٌ من ربيع وخريف، حتى إذا قاربتُ الأربعين، عدتُ إلى السورة نفسها، فإذا هي لم تتغيَّر، ولكنِّي أنا التي تغيَّرت.

فعلمتُ يومئذٍ أنَّ البئر في قصة يوسف ليس ماءً وحجارةً وظلمةً، وإنما هو ذلك الموضع من الروح الذي يُلقى فيه الإنسان حين تخونه الحياة فجأة.

وأنَّ لكلِّ امرئٍ بئرًا لا يراه الناس: بئرَ خذلان، أو فَقْد، أو غربة، أو كلمةٍ كسرت قلبه ثم مضى قائلها آمنًا كأن لم يفعل شيئًا.

وما أعجب أمر الإنسان!

يخرج من مصيبته بقدميه، ويبقى قلبُه فيها أعوامًا طويلة، حتى ليصبح بعضُ الناس أبناءَ أحزانهم، لا أبناءَ أعمارهم.

فهذا رجلٌ لا يزال يعيش عند لحظة خيانته الأولى، وتلك امرأةٌ لم تغادر بعدُ كلمةً قاسيةً قيلت لها في صباها، وآخرُ يحمل طفله الداخليَّ كما يحمل السجين قيده؛ يخاف الحبَّ لأنَّه ذاق الفقد، ويرتاب بالطمأنينة فقد تجرع مُر التخلِّي.

ثم نظرتُ إلى يوسف -عليه السلام، فرأيتُ المعجزة الكبرى في قصته ليست أنَّه خرج من البئر، بل ألَّا يخرج من البئر وفي قلبه بئرٌ أخرى.

وتأملت بعين الروح؛ فعلمت أنَّ المصيبة لا تكون فيما يصيب الإنسان، بل فيما يصنعه ذلك المصاب بروحه. فكم من محنةٍ صنعت وليًّا كريم النفس، وكم من وجعٍ أخرج للناس قلبًا كالحجارة أو أشدُّ قسوة.

لقد كان يوسف طفلًا حين أُلقي في الجبِّ، والطفولة في الإنسان ليست سنًّا من العمر، بل موضع البراءة فيه.

وحين تؤذى البراءة، يبدأ التصدُّع الخفيُّ في النفس. كان يمكن ليوسف أن يكبر ناقمًا، سيِّئ الظنِّ بالخلق، متربِّصًا بالحياة، ولكنَّه فهم سرًّا من أسرار الإيمان:

أنَّ الألم ليس دائمًا عقوبة، بل قد يكون تربيةً إلهيةً للروح.

ولهذا لم يقل: “لماذا أنا؟” 

فإنَّ هذا السؤال بابُ الاعتراض الخفيِّ، ومبدأُ الغرق في الإحساس بدور الضحية.

ولكنَّه ـ بروح النبيِّ ـ كأنَّه كان يسأل: “ما الحكمة؟”

وهناك فرقٌ بين قلبٍ يخاصم قَدَره، وقلبٍ يتأمَّل رسالته. ففي كلِّ تحدٍّ رسالة، وإن خفيت أو تأخَّرت، وفي كلِّ انكسارٍ نسخةٌ جديدةٌ من النفس، ترتقي في مدارج الحياة كما ترتقي الشجرة؛ كلَّما قُصَّ منها غصنٌ خرجت أكثر اخضرارًا نحو السماء.

وما الأوجاع التي تمرُّ بنا إلا تطهيرٌ خفيٌّ للروح ممَّا علق بها من صدأ الدنيا: من غرورٍ، أو تعلُّقٍ زائل، أو وهمٍ بأنَّ البشر يملكون لنا ضرًّا أو نفعًا. حتى الحزن، إذا نضج في قلب المؤمن، صار نوعًا من المعرفة. ولهذا خرج يوسف من كلِّ محنةٍ أنقى ممَّا دخلها: لم تقتله الخيانة، ولم يفسده السجن، ولم يُطفئ الألم فيه القدرة على الحب اللامشروط.

وإنِّي لأرى الناس اليوم يظنُّون أنَّ القوَّة أن ينتقم المرء ممَّن ظلمه، وما علموا أنَّ القوَّة الحقَّة أن ينجو الإنسان من أن يصير شبيهًا بما آذاه. وهنا تأمَّلت قوله تعالى: 

﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾

أيُّ روحٍ هذه التي خرجت من البئر ثم لم تحمل البئر معها إلى بقيَّة العمر؟ لقد غفر يوسف؛ لأنَّه تعافى، ولو بقي أسير جرحه لما استطاع الصفح. إن القلوب المريضة بالألم لا تعرف غير توزيع أوجاعها على الآخر.

 

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي