تكنولوجيامقالات متنوعة
أخر الأخبار

أنت المنتج.. فماذا تبيع المنصات الرقمية؟

أنت المنتج.. فماذا تبيع المنصات الرقمية؟

بقلم: د. محمود عزمي

باحث وخبير في التسويق الاستراتيجي وبحوث السوق والتحول الرقمي

 

عندما تفتح فيسبوك أو إنستغرام أو تيك توك، قد تشعر أنك تستخدم خدمة مجانية بالكامل. لا تدفع اشتراكاً شهرياً، ولا تتحمل أي تكلفة مباشرة مقابل الساعات التي تقضيها في مشاهدة المحتوى والتفاعل معه.

لكن هل هذه الخدمات مجانية فعلاً؟

هناك مقولة شهيرة في عالم الأعمال تقول: “إذا كنت لا تدفع مقابل المنتج، فربما تكون أنت المنتج.”

قد تبدو هذه العبارة مبالغاً فيها، لكنها تساعدنا على فهم الطريقة التي تعمل بها معظم المنصات الرقمية اليوم.

في كل مرة تضغط فيها زر الإعجاب، أو تشارك منشوراً، أو تشاهد مقطع فيديو، أو تبحث عن موضوع معين، فإنك تترك خلفك معلومات صغيرة عن اهتماماتك وعاداتك. وعندما يتم جمع هذه المعلومات وتحليلها، تصبح صورة واضحة عن الأشياء التي تهمك.

على سبيل المثال، إذا بدأ شخص ما بمشاهدة عدة مقاطع فيديو عن الجري واللياقة البدنية خلال أسبوع واحد، فمن المحتمل أن تبدأ المنصة بعرض المزيد من المحتوى المرتبط بالرياضة، ثم تظهر له إعلانات عن أحذية الجري أو الساعات الرياضية أو الاشتراكات في النوادي الرياضية.

هذا المثال البسيط يوضح كيف يمكن للمنصات أن تستنتج اهتمامات المستخدم من سلوكه اليومي دون أن يصرّح بها بشكل مباشر.

المنصات الرقمية لا تبيع بياناتك الشخصية بشكل مباشر كما يعتقد البعض، لكنها تستخدم هذه المعلومات لمساعدة المعلنين على الوصول إلى الأشخاص الأكثر اهتماماً بمنتجاتهم وخدماتهم. فالمعلن لا يريد أن يعرض إعلانه للجميع، بل يريد أن يصل إلى الشخص المناسب في الوقت المناسب.

ولهذا السبب قد تتفاجأ أحياناً بظهور إعلان عن منتج كنت تبحث عنه أو تفكر فيه مؤخراً.

وفي أغلب الحالات لا يعود ذلك إلى التجسس المباشر، بل إلى قدرة الأنظمة الذكية على تحليل سلوك المستخدم وفهم اهتماماته من خلال نشاطه اليومي على الإنترنت.

لكن البيانات لم تعد مهمة للإعلانات فقط.

فمع انتشار الذكاء الاصطناعي أصبحت هذه البيانات تساعد أيضاً في تطوير الأنظمة الذكية وتحسين قدرتها على فهم اللغة والسلوك البشري وتقديم خدمات أكثر دقة للمستخدمين.

ومن هنا أصبحت المنافسة بين المنصات لا تقتصر على جذب أكبر عدد من المستخدمين، بل على إبقائهم داخل التطبيق لأطول فترة ممكنة.

فالوقت اليوم أصبح مورداً اقتصادياً مهماً.

كل دقيقة إضافية تقضيها في التصفح تعني فرصة أكبر لعرض الإعلانات وفهم اهتماماتك بشكل أفضل. ولهذا تستثمر شركات التقنية مبالغ ضخمة في تطوير خصائص تجعل المستخدم أكثر تفاعلاً، مثل مقاطع الفيديو القصيرة، والإشعارات، والمحتوى المقترح.

ويطلق بعض الخبراء على هذا النموذج اسم “اقتصاد الانتباه”، لأن المنافسة الحقيقية أصبحت على جذب انتباه المستخدم والاحتفاظ به.

ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى هذا النموذج على أنه سلبي بالكامل. فبفضله أصبحت العديد من الخدمات الرقمية متاحة مجاناً لمليارات الأشخاص حول العالم، كما أصبح المحتوى والإعلانات أكثر ارتباطاً باهتمامات المستخدمين.

لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحقيق التوازن بين الاستفادة من البيانات وحماية خصوصية الأفراد، وضمان معرفة المستخدم بكيفية استخدام معلوماته.

الحقيقة التي لا ننتبه إليها

اليوم يستخدم أكثر من خمسة مليارات شخص وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم، ويقضي المستخدم العادي أكثر من ساعتين يومياً على هذه المنصات.

لذلك قد لا تكون أنت المنتج بالمعنى الحرفي للكلمة، لكن من المؤكد أن وقتك واهتماماتك وبياناتك أصبحت ذات قيمة كبيرة في الاقتصاد الرقمي الحديث.

وربما السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه كل منا على نفسه ليس: ماذا أشارك على الإنترنت؟

بل: ماذا تكشف هذه المشاركة عني دون أن أدرك؟

 

 

 

د. محمود عزمي

كاتب وباحث وخبير تسويقي، بخبرة مهنية أكثر من 25 عاماً في قيادة المشاريع الاستراتيجية وبحوث السوق على مستوى الوطن العربي.حاصل على الدكتوراه في العلوم الإنسانية من جامعة كامبريدج، وماجستير سلوك المستهلك والتسويق العالمي من جامعة ليفربول، إلى جانب عضوية المنظمة العالمية لبحوث الاستطلاع والتحليل "ESOMAR".تقلد مناصب قيادية كبرى في قطاعات المبيعات والبحوث، وأشرف على صياغة دراسات استشارية واستراتيجية لجهات حكومية وشركات عالمية متعددة.كتاباته الصحفية تركز على تقديم قراءات تحليلية معمقة في مجالات التسويق الحديث، وتحولات سلوك المستهلك، والتحول الرقمي، إلى جانب تحليل مستقبل الأسواق العربية والعالمية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي