أدبي

الإنفجار

الإنفجار
بقلم: بانسيه محمد فضل

 

حاولت مرارا تحمل إهاناته المتكررة،

صوته العالي البغيض يصم أذني ويصدع

رأسي كأنه ينفخ في بوق عال يشق

الجدران، حاولت أن أبعد من أمامه وقت

نوبة غضبه المعتادة، لكن دون جدوى،

بات يلاحقني ليكمل سبابه وألفاظه

الدونية، صرت كما طير جريح يرشقه

بسهامه دون رحمة، بل كأني مرمى يحرز

به أهدافا لفوز وهمي بانتصار رجولته.

 

دخلت يومها غرفتي وأغلقتها من الداخل

قبل موعد رجوعه منعا من الدخول في

مشاجرة معتادة لا أتحملها، نويت أن

أصبر لحين عودة أهلي من السفر وأرحل

بلا رجعة من ذلك الجحيم، لكن هيهات أن

أنال هدنة بحرب يحدد موعدها بهواه

ووفقا لمزاجه المتقلب.

عاد من الخارج يبحث عني في أرجاء

المسكن، أطفأت الأنوار وادعيت النوم، لم

تنطلي عليه تلك الخدعة، دق الباب بعنف

محاولا فتحه بل كسره – إن صح التعبير-

نجح فعلا في الدخول، انهال عليّ بألفاظه

النابية، كيف لزوجة أن لا تسرع لخدمة

زوجها والركوع تحت قدميه طالبة

الصفح والغفران، كيف لا أقف كالحارس

بجوار الباب في انتظار عودته وتقبيل

يديه بل وتحمل ألفاظه بصدر رحب.

لم يكتفِ هذه المرة بمجرد كلمات بل

تعداها لركلات عنيفة في بطني وجسدي

النحيل، لم أقوَ على الصمود، سقطت

أرضا بغيبوبة لم أفق منها إلا على فراش

أبيض بمشفى قريب.

لم أدرك ماذا حدث؟

دخل الطبيب ليخبرني بأني فقدت جنيني

الأول، فقدت النطق من الصدمة، حولي

أخته وأمه يحاولان تهدئتي، كلماتهم

زادت من همي وهم يشرحون أن الزوجة

الصالحة يجب أن تتحمل زوجها، إنه

يحبني، لكنها بعض نوبات الغضب، ولا

داعي لإفشاء أسرار البيت خارجه، العمر

طويل لننجب الكثير من الأولاد.

لم أستطع الرد فقد كنت خارج الزمن،

أغمضت عينيّ، تمنيت عودتي فتاة مرحة

ببيت أهلي قبل زواجي منه، فتاة محبة

للحياة، مدللة أبويها.

حين تقدم لي، وافق أهلي، وجدوه شابا

وسيما بمركز مرموق من عائلة مكتفية

مادية، لم يسألوا عنه بما يكفي، فلقد

اقترب موعد سفرهم لعملهم بالخليج،

تمت الخطبة سريعا، بدا هادئا وقت

خطبتنا، لم نعتد الخروج سويا لعدم

تواجد أهلي، لكن في زياراته المتقطعة

لي ببيت جدتي بدا صامتا أغلب الوقت،

تخيلت أنه إنسان خجول، لكني اكتشفت

الحقيقة المُرة بعد فوات الأوان، تمت

الزيجة في الإجازة السنوية لأهلي، وبعد

زفافي سافرا مجددا للعمل، كانت جدتي

ملاذي الآمن، كنت أبوح لها بمخاوفي من

نوبات غضبه القليلة في بداية زواجي،

نصحتني بهدوء أن أحاول استرضاءه.

حاولت فعلا، كان يهدأ أياما معدودة ثم

تنتابه تلك النوبات، فلا أجد غير جدران

غرفتي لتحميني منه.

زاد الأمر سوءا حين عرفت بخبر حملي

متزامنا مع وفاة جدتي، فقدت ملاذي

الآمن بحضنها، فكرت في الفرار، لكن خبر

حملي منه منعني، فكرت، ما ذنب هذا

الابن في خلافي مع أبيه، نويت محاولة

إصلاحه من جديد، بالصبر تارة واللين

تارة، تنصلح الحال أياما وتسوء أياما

أخرى.

رجعت من المشفى كالشبح، هائمة على

وجهي، فقدت الأمل الذي عشت من أجله،

انزويت بحجرتي، لم أتفوه بكلمة واحدة،

عاد للبيت، حاول الاعتذار، لم أهتم ثم

لكلامه، لم يعد له قيمة الآن، دخلت و

المطبخ محاولة تجاهله قدر الإمكان،

استفزه صمتي، وبدأ نوبة غضبه من ثم

جديد، علا صوته، انهال علي بالضربات،

لكن هذه المرة لم أستسلم، دفعته بعيدا

عني ليسقط على موقد الغاز، اشتعل بينما

بثيابه، نظرت إليه وهو يستغيث، لم لكن

أكترث لصراخه وألمه، تركته يلقى مصيره

المؤلم، ونجوت بنفسي من ذلك المنزل

وصاحبه، تاركة ورائي ألسنة النار تلتهم

كل ما في المنزل.ثم

سرت بخطى ثابته وسط نظرات أهله لي،

وصراخهم، وادعائهم جنوني، جلست من

بعيد أرى شريطا من ذكريات عمري بينما

المؤلمة تحترق وسط النيران.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي