أدبي

ياطير الطاير في الجو العالي

وقت النشر : 2021/12/11 11:07:00 AM

ياطير الطاير في الجو العالي                                                                                                                        بقلم: نول فاطمة

ياطير الطاير في الجو العالي
عمري مانسيتك دايم عَ بالي
جبلي من حيفا تفاح الغالي
هاتلي من القدس حبة زيتونا
تدندن أم محمود الكلمات وهي جالسة خلف نولها المنتصب بين سقف الغرفة وأرضيتها مشكلا جدارا من الخيوط العمودية تتخلله أناملها في خفة لتمد خيوط الصوف المغزولة في حركة أفقية رشيقة قبل أن تضربها ضربات خفيفة متتالية بأداة الحياكة الشبيهة بالمشط، لتستقر في الأسفل فوق سابقاتها.
تتوقف عن الدندنة لتجذب قصبة النول الممتدة أفقيا أو تدفعها فيتغير نظام الخيوط العمودية كما تمليه أصول الحرفة لتضمن تشابكها مع خيوط الصوف في عناق أبدي، تميل بجذعها إلى الخلف قليلا لتمنح نفسها مجالا أوسع للرؤية، تتأمل المشهد ثم تبتسم، أوشكت على إنهاء العمل، بقي القليل فقط، تعود إلى وضعها السابق تمد يدها بين خيوط النول وباليد الأخرى تلقمها خيط الصوف لتمده أفقيا…
– ياطير الطاير في الجو العالي وصل هالباقة
لاهل فلسطين وقلون مشتاقة
ورودي عَ غيابون دبلاني وراقا
والله راجعين مهما صدونا
قاطعها “أبو محمود” حين وقف فجأة في مدخل الغرفة فكاد يسده بجسده الضخم:
– أين بندقيتي يا أم محمود؟
فاجأها السؤال فتسمرت في مكانها شاخصة ببصرها إليه كأنها لا تفهم مايقول، لكنه كرر سؤاله بصيحة أجفلتها:
– البارودة يا أم محمود، وينها بارودتي؟!
تأتأت قليلا ثم صرخت وقد استعادت ذاكرتها:
– عند “أبو العبد”، أعطيته إياها حين قتل اليهود “العبد” في تل الترمس قبل سنتين، وسلبوا سلاحه.
ضرب أبو محمود جبهته وقال:
– نسيت…
لكنني أحتاجها يا أم محمود، أحتاجها الآن، فالخنازير باتت تهاجم الحقل بلا هوادة، ولم تعد التحصينات التي أحيطه بها كل مرة مجدية.
هزت أم محمود كتفيها إشارة إلى عجزها عن المساعدة، لكن الرجل ابتسم فجأة والتمعت عيناه ثم قال في حماسة:
– سأدافع عنه بالخنجر إذن.
واندفع إلى الغرفة وهي تركض في إثره صارخة:
– خنجرا محمود يارجل، أحتفظ بهما لأجله منذ وقت طويل، ثم مالذي تفعله الخناجر في وجه الخنازير؟!
ربت على كتفيها باسما وقال:
– الكثير، تفعل الكثير يا أم محمود، ثم أنت تعلمين أن محمود معي في الحقل، فما الذي دهاك؟!..خنجر لي والآخر له.
– لكن الآخر صدئ.
قالت بصوت ينز حزنا.
– خناجر آل الفاخوري لا تصدأ يا فاطمة، أجابها بصوت يفيض ثقة.
فاطمة؟!
لم يخاطبها أحد باسمها المجرد منذ زمن طويل، بل إنها كادت تنساه لولا أن حفيدها حمزة ذكرها به وهو يعرب عن رغبته في خطبة زميلته فاطمة:
– اسمها مثل اسمك يا جدتي، وهي قوية مثلك.
همت بالاعتراض على فعل أبي محمود، لكنها كفت وأطرقت برأسها تداري الحزن في تقاسيم وجهها.
ابتسم متفهما وضرب بيده إلى جيبه فأخرج سكينين صغيرين وناولها إياهما قائلا:
– هذان بدل هذين، صغيران لكن سيفيان بالغرض، قومي فقط بشحذهما جيدا.
همت بإبداء رأيها لكنه لم يمهلها، غادر مسرعا تاركا إياها واقفة تنظر إلى السكينين الصغيرين الملتمعين في يدها.
من نافذة الغرفة المفتوحة على الحوش أطل عليها برأسه قائلا:
– همة يا أم محمود، همة، أتمي نسجك اليوم وارفعي نولك، ففاطمة تنتظر دورها.
استيقظت فزعة، استوت جالسة بصعوبة وهي تبسمل وتتعوذ وتحوقل.
– أي حلم هذا ياربي؟!
خير اللهم اجعله خيرا.
شربت شيئا من ماء من جرة الفخار الصغيرة بجانب فراشها ثم قامت بتثاقل مستعينة بعصاها وخطت على مهل إلى خارج الدار.
قابلها حقل المنزل الذي استحال بورا وقد أمسكت السماء قطرها منذ سنتين أو يزيد، فلم يبق فيه إلا سياجه المائل كأنما أنهكه الظمأ هو الآخر فالْتَوت عنقه ومال رأسه إلى أسفل، في نهايته عند سفح التلة البور تنتصب أشجار الزيتون على استحياء، خجلى أن تعلن استسلامها أو تبث شكواها.
لا وجود لأبي محمود ولا لمحمود في الحقل، إذ لا وجود للحقل أساسا.
آه يامحمود، يافرحة العمر السليب التي شيعتُها إلى السماء بزغرودة فخر من فم جرح لم يلتئم أبدا، كان وداعا مشهودا في أمسية خريفية حصدت سنابلي وتركتني كهذا الحقل الأجرد القاحل.
خمس وعشرون سنة مضت ولا زالت العاصفة في النفس تقيم مآتمها، خمس وعشرون سنة مذ شقت صرخة ميلاد خالد الدنيا تنعي والدته التي لحقتك قبل أن ندفنك لتكون معك، كم غبطتها، كم تمنيت لو مت بدلها لأكون مع صغيري وعاشت بدلي لتبقى مع صغيريها، لكن الرشاش الذي أردتك ذخيرته وأنت تدافع عن وطنك، أردتها مؤخرته وهي تذب عن بيتها الذي تقرر هدمه عقابا لنا على بطولتك.
ضربة واحدة على بطنها كانت كافية لتعجل بقدوم خالد ورحيلها، فيولد يتيم الأبوين وتشهد الدار مأتمين في ليلة واحدة، بل ثلاثة، أنت وزوجك ومنزلنا.
ماحدث في تلك الليلة المشؤومة غير حياة أم محمود وزوجها إلى الأبد، وجدا نفسيهما بدون بيت ولا مال ولا ولد، يتحملان مسؤولية طفلين لا يتجاوز عمر أكبرهما ثلاث سنوات، رحلا جنوبا إلى غزة عند شقيقها الذي رحب بهما واقتسم معهما الرغيف أسابيع حتى تم بناء بيتهما بجهود أبناء القرية وأموالهم كما هي عادة الفلسطينيين عند كل نكبة ونازلة.
شيدت الدار على طرف قطعة أرض هي نصيبها من ميراث والدها، استغلا بقيتها في الزراعة فعاشوا على عطائها بين شدة ورخاء، ولم يكن رخاؤهم إلا أن ينتهي اليوم دون قصف فيتاح لهم الاجتماع على مائدة العشاء في جلسة تتخللها أحاديث عن أخبار الموت والسجن والدمار تارة، وعن طرائف الأحداث وحكايا الناس طورا.
تصرمت الأعوام سراعا -على قسوتها- وكبر الولدان، اختار حمزة أن يحمل هم التعليم في القرية موظفا ومسؤولية التمريض متطوعا وتزوج فاطمة التي تعرف عليها وسط الدم والدمار وأشلاء المقصوفين، وها هي ذي حامل في شهرها الأخير بينما يقبع هو في سجون الاحتلال متهما بالإرهاب، أما خالد فقد أصبح مهندسا في برمجيات الحاسب وتخلى عن القرية وأهلها مفضلا العمل لصالح إحدى مؤسسات العدو، لقد خذلهم جميعا، خذلهم بقسوة وجلب لهم عارا لم يحتمله جده فرحل ذات ليلة بنوبة مفاجئة…
لقد شتت الموت شمل عائلتهم حقيقة لأول مرة، لطالما كان حضوره في يومياتهم سابقا يشكل دافعا قويا للتكتل والتلاحم.
تنهدت العجوز بأسى ثم استدارت على مهل تريد العودة إلى الداخل فوجدت فاطمة تمد يدها باسمة:
– أنت هنا إذا يا أماه، أعددت لك وضوءك و….
لم تكمل جملتها إذ تناهى إلى سمعيهما هدير محركات سيارات تقترب بسرعة، فوليتا وجهيهما شطره وقوست الجدة يدها فوق حاجبيها محاولة منها لتمييز القادم، ثم سألت:
– الشرطة الفلسطينية أم اليهود؟
تمتمت فاطمة:
– لا فرق.
توقفت السيارتان وترجل راكبوهما، كانوا من الشرطة الفلسطينية يتقدمهم ضابط شاب بادرهما بالتحية فور وصوله فردت الجدة ببرود ظاهر.
تردد قليلا ثم قال:
– يسلم راسك ياحاجة.
اخترقتها العبارة كسهم مسموم، شعرت بالأرض تميد تحت قدميها وتدور من حولها فشدت قبضتها على العصا وتمسكت بفاطمة التي حاولت أن تبدو رابطة الجأش وقد خانتها العبارات فلم تسعفها إلا كلمة واحدة:
– حمزة؟!
– وخالد..أجاب الضابط فاتسعت الأحداق وانعقدت الألسنة دهشة، وكتمت العجوز شهقة الروع والحسرة فيما تسمرت فاطمة كالوتد والضابط يواصل:
– إسرائيل تتكتم على الأمر بشدة، كل ما علمناه أنهما قتلا في محاولة فرار فاشلة من حمزة بمساعدة خالد.
صرخت العجوز ملتاعة، وصرخت فاطمة في إثرها وهي تمسك بطنها وتتلوى ألما.
____________________________________

– حمزة، حاسوبي أصيب بفيروس خطير.
– لا تقلق ياخالد، سأحقنه بمضاد حيوي.
ابتسمت لحديثهما وهي تجلس أمام المنزل على دكة إسمنتية ترتاح من عناء يوم عمل شاق في المستشفى الميداني، المشقة -للإنصاف- مصطلح مائع حين يتعلق الأمر بيوميات الناس في غزة، رمت بصرها إلى الحقل الذي حولته إلى بستان زيتون تكسوه الخضرة على مدار السنة، ثم التفتت نحو الصغيرين الذين لا يملان من تمثيل دوري الطبيب والمهندس، ست سنوات مضت على تلك الليلة التي لا تنسى، ليلة بكى فيها الطفلان بقوة إعلانا عن حياة، وبكت فيها المرأتان بحرقة حزنا لوفاة، وبكت فيها السماء بغزارة تبشيرا بالنجاة.
رن هاتفها معلنا وصول رسالة على الماسنجر.
فتحت عينيها على وسعهما وفغرت فاها وهي تفتح الرسالة فتطالعها صورة لملف مسرب على موقع إحدى الوكالات العالمية الشهيرة معنونا بالبنط العريض:
القصة الكاملة للضربة المالية التي تلقتها إسرائيل على يد المهندس خالد الفاخوري قبل ست سنوات.
وأسفله عنوان رئيسي:
قتلوا شقيقه حمزة أمام عينيه عقابا له على تحويل أموال شركات إسرائيلية إلى حسابات محمية للمقاومة الفلسطينية، ولم يستسلم.
نقرت على الرابط وهي تتحسس من فوق ثوبها مفتاح بيت الجدين في قرية كوكبا المهجرة، وتستعيد وصايا الجدة وهي تقلدها إياه قبل رحيلها، لقد رأتها في حلمها أمس، كان وجهها يشع فرحا وهي تقف بالباب تتأملها جالسة خلف نولها القديم، تماما حيث اعتادت هي الجلوس سابقا، كانت تنسج عليه بمنتهى الإتقان وهي تدندن:
نسم حدانا يا هوا بلادي
سلم ع الجبل سلم ع الوادي
مشتاق اَشوفك يا أرض اجدادي
طالت الفرقة ع اللي يحبونا.

ياطير الطاير في الجو العالي

نجاة أحمد.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى