أدبي

وطارت كفراشة

وقت النشر : 2021/12/31 01:12:58 PM

وطارت كفراشة

بقلم: هويدا سالم علي

 “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم” قالتها بصوت منخفض يحدوه الرجاء والأمل ثم سحبت خلفها الباب المتآكل وبكثير من الحذر خشية أن يندلق ما على رأسها ومضت تحث الخطى إلى السوق البعيد.

 كان الصباح يطلق أول أنفاسه عندما وصلت صفية إلى السوق وقد بدأ البائعون في رَصّ بضائعهم، نظرت حولها لتجد مكانها المعتاد خاليًا فسارعت لتنزل حِمل رأسها على الأرض عندما امتدت يد لتحمل عنها “خلي عنك” وقبل أن ترفض أو تقبل كان قد أنزل عنها إناء المش والجبن القديم وتناول من على كتفها مخلاة البيض وأنزلها بحرص فلهج لسانها بالكثير من عبارات الشكر الذي قابله الرجل بابتسامة عريضة شفعها بعبارة “لا شكر على واجب يا حلوة”

تضرج وجهها خجلًا؛ فكثيرًا ما تسمع هذه العبارات في غدوها ورواحها بينما تجمع البيض والجبن من نساء القرية المدللات المكنونات في كنف أزواجهن، وهنا لمعت دمعة دافئة في عينيها الواسعتين وتذكرت زوجها الشاب الذي سافر من أجل لقمة العيش وترك لها طفلين وانقطع كل خبر عنه، بعضهم يقول إن ثرية من تلك البلاد البعيدة قد أغوته وتزوجته، أو ربما مات أو جُن – لا أحد يعرف- فعادت للعيش مع أمها العجوز الفقيرة لترعى الطفلين بينما تسعى هي لطلب الرزق.

ذات مرة قالت لها إحدى النساء المتعلمات: أنتِ جميلة وصغيرة، لو ذهبتِ للمحكمة ستطلقك للضرر.

 الضرر؟! للكلمة وقع غريب فما هي فيه يفوق أي ضرر؛ فليس هناك أضر من أن تكابح حرمانا طويلا ينهش آدميتها ويجعلها كائنًا نكبته الوحيدة أنه أنثى.

صار ذلك الرجل كل يوم يساعدها ويمطرها بعبارات تاقت إليها أنوثتها العطشى خلف وعود وفاءٍ مرهقة لزوج غائب وقيود مجتمع لا يرحم.

يوما بعد يوم أصبحت تنتظره وتمني النفس برؤيته بل وتجرأت يوما واعتنت بزينتها قليلًا، وكان هو لا يكف عن إلقاء نظرات الإعجاب بينما يجلس في الجهة المقابلة يبيع الفاكهة والخضروات وكثيرًا ما ينادي ” يا تفاح يا أحمر الخدين، يا طماطم يا مجنناني” ويبتسم لها فيكاد قلبها يخرج عن وقاره.

في نهاية يوم شاق وبعد أن باعت آخر قطعة جبن وبدأت تلملم الآنية الفارغة وتستعد للعودة قال لها: خلفك تحت سلم العمارة التي اتخذها مخزنا يوجد فاكهة للعيال. شكرته ودخلت تبحث عنها وسط الأقفاص الكثيرة المتراصة لتلتفت فتراه خلفها يحيطها بذراعيه بينما تلمع عيناه كحيوان جائع، دفعته فجذبها، تملصت منه فأطبق عليها بيديه الخشنتين، حاولت الصراخ فكتمت- خشية من الفضيحة- الصرخة بداخلها، ارتجفت قدماها وبدأت تشعر بقواها تخور، سقطت طرحتها، جاست يداه تتحسس جسدها، سمعت صرخات أطفالها” تأخرتِ يا ماما” دفعته بقوة فسقط بين أقفاصه.

خرجت تجري تصطدم بالباعة والمارة، تسمع سبباهم وشتائمهم القذرة، تشعر بآلاف الأذرع تمتد نحوها وملايين الأفواه المشرعة التي يسيل منها اللعاب تدنو منها، تلاحقت أنفاسها وشعرت كأن الهواء نفد من العالم ولم يبق سوى شعور الاختناق، وصلت لأعلى الكوبري، لم تبالِ لأبواق السيارات المسرعة، سحبت نفسًا عميقًا مِلء رئتيها اللاتي أوشكتا على الاحتراق، شعرت أنها تحتاج للمزيد من الهواء فصعدت أعلى سور الكوبري، رأت زوجها يبتسم من بعيد، صعدت أكثر، سمعت طفلها الصغير يضحك ويمد لها يده الناعمة، مدت له يدها تحاول الإمساك به، أفلتت السور ثم طارت كفراشة تحررت من أسر زجاجتها، تشعر بنشوة ناعمة وكأنها تعوم في غيمة من ضياء، تهاوت إلى الأسفل بينما خدر لذيذ لراحة تاقت إليها كثيرًا يسري في جسدها.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى