نياطُ القلب

نياطُ القلب
قصة قصيرة
بقلم: أسماء أحمد
الجميع يخطىء ويتعلم من أخطائه، نجاهد أنفسنا بألا نعود، نستطيع أن نسامح ونغفر، ولكن يبقى سؤال واحد فقط يراودني، ولطالما بحثت عن إجابته كثيرا: وهل يمكننا النسيان؟!
أنا وحيدة والدَي، تزوجت منذ عشرة أعوام بعد قصة حب جمعتني بمن رزقني الله إياه (سليم)، إنسان طيب هادىء الطباع، أنجبنا طفلين هما الحياة لنا، لدي صديقة بنكهة الأخت( علياء) أحبها جدا ولا أتخيل حياتي بدونها، لم تتزوج بعد وإني لأدعو الله أن يهبها زوجا بحنان وعطف زوجي، فقد كان لها الفضل في معرفتي به.
زوجي يعمل طبيبا، لا يشغله شيء في حياته سواي وأبنائه وعمله، يذهب للمشفى في الصباح وفي المساء يكون بعيادته التي لا تبعد كثيرا عنا.
حياتنا كانت تمضي بسلام، إلى أن حدث ما جعلها تنقلب رأسا على عقب.
منذ بضعة أشهر تقريبا، لاحظت زوجي شارد الذهن، ليس معي، أتحدث إليه ولا يسمعني، أُناديه ولا يرد علي، أقترح عليه الخروج لبضع ساعات فلا يوافق، حتى أبناءه لم يعد يراهم، تأتيه اتصالات عديدة، يأخذ هاتفه ويغلق الباب أثناء حديثه، رناتُ الرسائل لا تنقطع أبدا. واجهته، أريد أن أعرف ما به، أجابني بأنها مشكلات بالعمل ولا يريد أن يشغلني بها.
زاد شكي، وجال بخاطري كأي أنثى تحب زوجها وتغار عليه أن يكون سبب انشغاله امرأه أخرى ثم تراجعت عن تلك الفكره لأنني حقا لا أتخيلها.
إن زوجي يحبني جدا، ولا يمكن أن يفكر في أن يخون من أحبها يوما، تلك التي من أجلها كان يناجي ربه بأن يجمعهما سويا.
وذات يوم خرج مسرعا ونسي هاتفه الخلوي، وإذا برساله تأتي من رقم مسجل باسم (المعذبة)
دق قلبي بشدة، شعرت باختناق في صدري، لم أصدق عيني، أهو ما أخشاه حقا، أتوجد امرأة أخرى، كيف ذلك، ومتى عرفها؟!
عاد بعد دقائق، وإذا به يجول في أنحاء البيت وحينما رأيته ناديته بهدوء:
– سليم، عن ماذا تبحث؟
قال: هاتفي
أخرجته من جيبي وأنا أكتم حزن قلبي وقلت:
– هذا هو، لقد نسيته فاحتفظت به معي.
ظهر عليه الارتباك ثم التقطه مني على الفور وخرج مسرعا.
أمسكت هاتفي واتصلت بعلياء أخبرها عن مخاوفي من وجود امرأة أخرى في حياته، وسألتها ماذا أفعل؟ فقالت لي:
– سليم! لا يمكن أن يحدث ذلك، لا تفكري في هذا الأمر؛ فسليم يحبك جدا ولا يمكن أن يخونك.
ارتحت لحديثها قليلا وأنهيت معها على أمل أن يكون ما أفكر به وهما لا أساس له.
عاد زوجي إلى البيت في المساء، عاهدت نفسي ألا أفاتحه حتى أتأكد.
أعددت له فنجانا من القهوة ثم ذهبت إلى غرفة مكتبه وقد كان منهمكا في قراءة كتاب ما، أعطيته إياه وألقيت بصري أبحث عن هاتفه بجواره فلم أجده.
خرجت أبحث عنه في أنحاء البيت ثم وجدته وقد نسيه في غرفتنا، ذلك الهاتف الذي لا يتركه من يده، أمسكت به بعد أن عرفت الباسورد الخاص به عندما شاهدته مرة بدون أن ينتبه، فتحته ثم بدأت أبحث كالغريق الذي يتمنى النجاة، فإما أن أشقى ويزيد عذابي، أو تصبح جميعها أوهاما، ولكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، فكما توقعت، مكالمات ورسائل بينهما، رأيت وسمعت ما لم أتخيل يوما، كلمات العشق والغرام لا حدود لها بينهما.
انهمرت دموعي بغزارة، لم أصدق، ازداد ألمي، لقد كسرني، أوجعني وعذب قلبي المتيم به.
تملكني شعور الغيرة، إنه شعور قاتل، نيران تحرق القلب ببطء، وتساءلت: من هي المعذبة بحبه تلك التي يُكن لها كل مشاعر الحب، من هي التي من أجلها أهملني وأبناءه؟
قضيت الليل أبكي وحدي ولم يشعر بي، لم يعلم بوجيعة قلبي، لقد تمزق من الألم ومن ثَم بدأت علاقتي به تنهار شيئا فشيئا؛ لم أعد أحدثه، لم أعد أهتم به، يحدثني فأقابل حديثه بالرفض، يقترب مني فأبتعد أكثر.
وفي يوم جلس بجواري، أمسك بيدي، نظر إلي وهو في حيرة ثم قال:
– ما بك؟ أراك تبتعدين عني يوما بعد الآخر، حزينة، هزيلة لست هدى التي أعرفها منذ سنوات، فلتخبريني، أفعلت شيئا أغضبك؟
سحبتُ يدي من يديه، ووجهت رأسي بعيدا ثم قلت: سأخبرك، ولكن ليس الآن.
وفي الصباح جلسنا على مائدة الإفطار وإذا برسالة – شاهدتها بعيني- أتت إلى هاتفه “أنتظرك الآن بالمشفى”
حدثت نفسي بأن الوقت قد حان لأكتشف خيانته وأعرف من هي التي أشعلت النار بقلبي،
وبعد خروجه من البيت ركبت سيارتي، راقبته إلى أن دخل المشفى ثم إلى عيادته، انتظرت قليلا ثم فتحت الباب وإذا بمَن معه؟ صُعقت لما رأيت؛ إنها علياء صديقتي!
في مشهد لم أتخيله، ولم يمر بخاطري يوما، شاهدته وهو يربت على يديها، ينظر لعينيها يتأملها بحنان وحب.
وقت أن شاهدني بدا مرتبكا وأبعد يده عنها.
ذرفت دموعي على غير إرادة مني ثم وجهت حديثي إليه وصوتي مختنق بالدموع:
– صديقتي، تخونني مع أعز صديقة لي؟!
قام من مجلسه وناداني بأن أجلس معهما وسيحكي لي كل شيء.
ارتبكت علياء أيضا وأحنت رأسها خجلا ثم اقتربت مني قائلة:
– لقد فهمت الأمر خطأ
قلت لها والألم يعتصرني:
– اصمتي ولا تتفوهي بكلمة، لقد استأمنتك على حياتي وبيتي ثم يكون ذلك جزاء معروفي وصنيعي لك، ظهرتِ في حياتي بمظهر الصديقة، الوديعة، الطيبة، وأنت شيطانة بل أكثر..
وإن كنت معجبة بزوجي فلِمَ عرَّفتني به منذ البداية؟ لقد خنتِ صديقتك، رفيقة دربك
ثم تساءلت:
– منذ متى وأنتما تتقابلان وحدكما؟
أمن سنوات، أم قريبا، أم أن هناك قصة أخرى لا أعلمها؟
اقترب زوجي إليّ وشد ذراعي بقوة وقال: توقفي عن هذا الهراء، نحن بالمشفى، هيا بنا إلى البيت.
– أي بيت سنذهب، بيتي أم بيتها الذي تلتقيان فيه؟
لاحظت حينها الغيظ والشرر يتطاير من عينيه وقد تملّكه الغضب مني وإذا به يصفعني على وجهي، فقلت وقلبي يعتصر:
-تضربني، أنا؟!
ثم خرجتُ مهرولة وأنا منهارة وقد خارت قواي لا أرى أمامي، سمعت صوتها من ورائي تناديني بأن انتظري، لم ألتفت، اعترضَتْ طريقي وهي تبكي وتقول:
– أرجوك اسمعيني.
نظرت إليها، صحت بوجهها قائلة:
– لا أريد أن أسمعك، ولا أريد أن أعرفك بعد الآن.
جريت مسرعة إلى البيت لأحمل أغراضي وأبنائي وأذهب لوالدي، وبينما أنا أُعد نفسي للذهاب، إذا بزوجي قد دخل البيت، اقترب مني، أحاطني بذراعه وقال:
– آسف، سامحيني
أبعدته عني بقوة وقلت:
– طلقني
قال بغضب:
-لا أريدك أن تكرريها ثانية، فقط أعطني بضع دقائق أشرح لك فيها، وبعدها قرري ما تشائين.
قلت:
– لا أريد أن أسمع شيئا، تخونني، ومع من؟ صديقتي، أنا أعلم كل شيء منذ فترة، فلقد شاهدت رسائلك معها، تلك التي أسميتها (المعذبة) بحبك.المتيمة بك.
قال لي وهو مطأطىء الرأس:
– أنا آسف، لقد كانت نزوة، وانتهى الأمر اليوم، صدقيني، تعالي لنجلس سويا على الأريكة ونتحدث.
جلست في مواجهته ثم بدأ حديثه بحزن وقال:
– منذ أشهر اتصلت بي علياء بحكم صداقتنا وبما أنني طبيب تستشيرني في بعض الأعراض التي أصبحت عائقا لها عن مزاولة حياتها بشكل طبيعي، فعرضت عليها بأن تأتي إلى المشفى لتجري بعض الفحوصات، وقد كانت الصدمة لي، حيث أظهرت الفحوصات إصابتها بالسرطان..
جلست فترة طويلة أفكر كيف أخبرها؟ هل أصارحها أم لا.
في كل يوم كانت تتصل بي لتعرف النتيجة، ولا أستطيع أن أخبرها ثم طلبتها لتأتي إلى العيادة وخبرتها، ولقد كانت صدمتها كبيرة، أشفقت عليها، وخاصة هي فتاة في مقتبل العمر، شعرت بها وألمها وقررت أن أساعدها على قدر استطاعتي، حينها طلبت مني -رجاءً- بألا أخبر أحدا حتى أنتِ لكي لا تشعر بالشفقه من أحد وتظل بعينك كما هي بنفس مشاعرك وحبك إليها فخضعتُ لرغبتها.
تجددت اللقاءات بيننا، تحكي لي عن مخاوفها وطموحاتها وآمالها التي أصبحت هباءً بعد ما حدث ولا يوجد من تحكي له أوجاعها، وبدون إرادة مني ومنها اقتربت مشاعرنا وشعرنا بالحب، شعرت احتياجها لي، وشعرت سعادة قلبي بالحديث والقرب منها، وتبادلنا المكالمات واللقاءات من بعدها.
أعرف أني مخطىء في حقك، وكان لابد ألا أتمادى في مشاعري تجاهها، ولكن اليوم وبعد أن جئتِ إلى المشفى انتهى كل شيء، فعندما عادت إلى مكتبي بعد ملاحقتها لك أخبرتني برغبتها في قطع علاقتها بي، وستكمل علاجها في مشفى آخر؛ لم تكن لتتصور أن ينتابها ذلك الشعور بالذنب لخيانتها لك بعد رؤيتك لنا، حدثتني أنها فكرت في ذلك الأمر كثيرا وعلاقتها بي، وشعرت بأنها كانت ما بين نارين؛ نار حبها لرجل تعلقت به، رجل يعطيها الأمل في الحياة أو على الأقل يمنحها السعادة المؤقتة، ورجل قد خانت زوجته التي هي صديقتها، ولكنها لم تستطع أن تمنع نفسها ومشاعرها، ولكن بعد ما حدث اليوم والتقت أعينكما، قررت أن تنهي تلك العلاقة بيننا.
فلتسامحيني، ولتساعديني على أن أتخلص من ذلك الحب، وأطلب منك أيضا أن تسامحيها فحالتها تتدهور يوما عن آخر، وما حدث سيضعف مناعتها أكثر، ومن الممكن أن يعجل بوفاتها
قلت له مستنكرة:
– ماذا تطلب مني؟! تطلب مني أن أسامحها، تلك التي خانتني، أتشعر بي وألمي؟ إن كانت هي في حاجتك فأنا أحتاجك أكثر منها، لقد تزوجتك وفضلتك على الكثيرين ممن طلبوا ودي، وتحملت غيابك عن البيت كثيرا، ووفرت لك كل أساليب الراحة حتى أصبحت في تلك المكانة الاجتماعية، أولادي تحملت مسؤوليتهم كاملة،
أبعد ذلك تقول لي إنها بحاجتك! أنت ظالم حقا.
رد علي وهو يشعر بالخجل لما قال:
– إني أخاطب قلبك النبيل الطاهر، علينا أن ننسى كل هذا وتعودي كما كنت معها، ولتكوني إلى جوارها في آخر أيامها، فلربما مسامحتك لها تجعلها تموت في سلام، أما أنا فأعدك بألا أراها ثانية.
تركته وقد تملكتني مشاعر مختلطة، ما بين الإشفاق عليها لمرضها، وما بين خيانتها لي.
لم أجد أمامي سوى الاستسلام للنوم، فلقد اكتظ عقلي بالأفكار وأصاب قلبي الإعياء.
وفي الصباح أيقظني زوجي من نومي يترجاني بأن أذهب لأراها، فلقد تدهورت حالتها، وهي تريد أن تراني اليوم، ولربما لا يسعفني الوقت.
نسيت ما حدث، ولم أضع أمامي سوى ذكرياتي معها، وشعرت بأنه ما زال لها رصيد بقلبي. هرولت إليها وأنا أدعو الله أن يوفقني لرؤيتها قبل فوات الأوان.











