أدبي
المجذوب

المجذوب
بقلم: مصطفى فاروق
يقذفني هؤلاء الأوغاد الصغار بحجارة
حمراء متشققة، ينعتوني بالمجنون، لم
أحاول إخافتهم قط، أتركهم وأمضي
حافي القدمين، تملأ قدميّ تشققات الهم
وكأنني لا أقوى على الحديث.
أصبت بداء الصمت، أهرب من القوم إلى
القصب، أتوارى بين غزاته المترابطة في
عناق تأملته وتمنيته كثيرًا في مخيلتي
الجامحة، أنام على قش القصب، أتلحف
به كلحاف يقيني برد الليل وحر النهار،
رغم أشواكه متناهية الصغر إلا أنه أرحم
بي من هؤلاء الوحوش.
أنام وحيدًا في أماكن موحشة لا يستطيع
أن يزورها الجبناء ليلًا، يحيط بي جمع
من الكلاب وقد مسهم الجنون عندما
سمعوا صوت ذئب يعوي حين رأى القمر،
لم يعد الجوع همي فقد اعتدت على الألم،
أتلذذ به.
ما زالت تملأ جنبات قلبي، أتفكر في
طيفها، أبيت بين أحضانها في الليل
وحين الغروب، يتردد اسمها أثناء حديث
قلبي ونفسي.
يتجادلان كثيرًا، يكاد أن يفتك بهما الندم،
ما زلت أحاول انتزاعها من وحش الغرق،
أجلس على شاطئ الترعة ليلًا لأراها، بيد
أنها أصبحت من الفتيات ألفًا يتحدثن لي
بصوت واحد، وكأنهن يعزفن سيمفونية
يحفظنها، ينادين باسمي، أحاول أن
أحتضن إحداهن في عناق أبدي طويل إلا
أنني أستفيق سريعًا إذا ما مسني الماء،
أتراجع سريعًا، يتضاحكن فيما بينهن
وينعتنني بالجبن، أرى طيف ظلي بينهن
يريد أن يذهب معهن لبرزخ مريح، إلا
أنني أعلم أنهن وهم اختلقته مخيلتي.
لا أستطيع النظر في انعكاس صورتي
على المياه، ما زالت لحيتي تنمو، وشعري
المجعد يملؤه القمل والبراغيث، أتساءل
بيني وبين نفسي: لم تركت نفسي
للأحزان تقتلني، تفتك بقلبي، تحطمه
كالزجاج لذرات لا يمكن تجميعها إلا
بالنار؟!
مللت من الحياة، ألقيت نفسي بينهن،
تجمعن حولي وأصبحن واحدة تضخمت
وصارت كجنية الترعة التي وصفها لي
جدي عندما كنت محض حمل يرعى بين
غيطان القصب، قالت بصوت طفلة بالكاد
تستطيع الحديث:
– لم تركتني أغرق، ألم يكن بيننا عهد
البقاء معًا؟! ألم تعدني بطفل منك
يشبهك؟!
أسامحك الآن، تعال لنرتشف رشفة الأنس
معًا.
شعرت بقبضتها، ارتعش جسدي في
برودة مرعبة، شعرت بثقل في لساني
وكأنني أصبت بالخرس، تذكرت شيخ
الكُتّاب عندما لقنني الاستعاذة من
الشيطان، بيد أن الكلمات تتبخر بعقلي،
استسلمت لها، فأصبحنا معًا نعيش في
الترعة القبلية للبلدة.












