
أطروحات
بقلم: أميرة لطفي
أطروحة اليوم… “إن هي إلا كلمة”
الكلمة قد تكون منطوقة أو مكتوبة. فنحن لا نطلقها كموجات صوتية، ولا نكتبها ونرسمها على الورق. بل هي أعظم من ذلك فكل منا يختبىء خلف كلماته وحديثه.
الكلام ليس للثرثرة والتعبير عن المتطلبات، فهو يمثل شخصية الإنسان التي يتحدد من خلالها أهو عاقل أم أحمق، أصاحب رأي أم إمعة، أمتزن أم متهور.
الكلمة طاقة هائلة وقوة عظيمة تعادل – وربما تتفوق – على أي قوة أخرى فهي أفضل دواء للنفس لأنها تمس الروح والعقل والقلب.
الكلمة ميثاق شرف تبث المشاعر وتحفز العقل والجسد للفعل أو رد الفعل. فهي أداة مؤثرة ومحركة، وهي تعكس وتمثل أدب ورقي وأخلاق صاحبها وثقافته. وكلما ارتقى الإنسان بعلمه كلما تحسن أسلوبه وقدرته على التواصل. فهي جواز المرور لقلوب وعقول الآخرين. وطاقة الكلام يجب أن ننتبه لقوتها وقوة تأثيرها على أفعالنا وتصرفاتنا ومشاعرنا. فهي توجه أفكارنا وقدراتنا وإمكانياتنا وتحرك الوجدان وتدفع إلى السلوك. وكم من كلمات رفعت شخصا أو لفظة قيلت فى غير محلها حطت من قيمة آخر. لذلك فإن حياتنا ليست من صنع معتقداتنا وأفكارنا فقط لكن أيضاً من صنع كلماتنا لأن الكلمات سواء كانت إيجابية أو سلبية تظل محفورة في عمق العقل والنفس. فالكلمات الإيجابية تصنع الفرق.
الروح المعنوية
إنَّ كلمة واحدة تستطيع أن تُحوِّل نظرة تشاؤم إلى نظرة تفاؤل، وتولد مشاعر إيجابية ترفع الروح المعنوية وتزيد الثقة بالنفس. أما الكلمات السلبية والخبيثة تحمل طاقة سلبية وتثير المشاعر السلبية، وتؤدي إلى تولد حالة الرفض داخل النفس وتعطل التفكير، وتزيد الهم والحزن. ونجد في قول الله تعالى في سورة الأحزاب الآيات 41- 42 بسم الله الرحمن الرحيم “يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا {41} وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا {42} صدق الله العظيم.
وهنا الذكر والتسبيح فيه تكرار لكلام الله وهو كلام إيجابي فيه التقرب لله تعالى وطرد مشاعر التوتر والقلق والتشتت.
الكلمة سلاح خطير ذو حدين. إن أُحسن استخدامها ينتفع بها قائلها والناس. ويجني المجتمع ثمرتها في حسن العلاقات الطيبة وإن أُسيء استخدامها كان لها من الأثر السيء عليه. فالكلمات قد تكون كلمات للبناء والإعمار، وربما كلمات للهدم والخراب.
الكلمة كالرصاصة. قد تقتل أو قد تكون كالدواء، وإذا خرجت من الفم لن تستطيع إعادتها مرة أخرى. وأيضا إذا خرجت غير موزونة فإن تبعاتها كبيرة، لذلك يجب أن نجعل كل كلامنا لنا لا علينا ويكون موزونا وراقيا.
وقد قال رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام نصيحة نبوية تدخلنا الجنة وتعتق رقابنا من النار ” الكلمة الطيبة صدقة” صدق رسول الله.
الكلمة الطيبة مفتاح القلوب للتعامل مع البشر. وهي قادرة على تحويل الأعداء إلى أصدقاء. و تجعل العدو صديق وتطفئ نار الغضب، وهي لها أنواع كلمة في حق الله تعالى وهي الذكر والتسبيح والدعاء والتضرع، وكلمة في حق الناس وهي السلام والتأدب معهم والتبسم في وجوههم.
وهي نوع من الصدقات المعنوية كالابتسامة والحديث الطيب لإضفاء روح المحبة والمودة. وهي جبر الخواطر الذي قدمه الله على الصدقات. وقد قال الحق سبحانه وتعالى ﴿ ۞ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾
[ سورة البقرة: 263]
إن نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى. ومن بين تلك النعم نعمة البيان والنطق التي اختص بها الله الانسان دون غيره من الكائنات. وكثير منا لا يقدر هذه النعمة وقد يسيء استخدامها.
يقول الله عز وجل: { الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } [الرحمن:1-4]
نحن نتكلم مع من حولنا أزواجنا، أولادنا، أقاربنا، أصدقائنا، لكن هل نحاسب أنفسنا على كلامنا وأثره؟ كثير منا قد ينسى أو يتناسى أن يحاسب نفسه. فكثيرا ما يقال “هو الكلام بفلوس” لكن فعليا الكلام أثمن من الفلوس، لأن الكلام الذي يؤثر على النفس والروح أغلى من أي مال، لذلك يجب أن ننتبه للكلام الذي يصدر منا بقصد أو بدون قصد. ويجب اختيار الكلمات قبل أن نتلفظها. ويكون لدينا اللباقة في حسن اختيارها، ولا تكون كالرصاص الطائش تستقر في القلب وتقتل المشاعر الطيبة وتًنهي أعظم العلاقات. فالكلمات يجب أن ننتقيها قبل النطق بها ويسمعها الطرف الآخر، فأنت لا تُقدر إن كانت ستسعد الطرف الآخر أم تُحزنه. وكثير منا لا يُقدر ولا يهتم بأثر الكلمة على النفس. قد تقول كلمة من باب المزاح ولا تدرك ما تُسببه من ألم وأذى نفسي. وهو أشد إيلاما من الأذى الجسدي. فقد يقضي الإنسان يومه سعيداً بكلمة والعكس.
لا تحبس الكلام الطيب في قلبك ولا تكتمه عن أحد. امدح واشكر من يستحق. لا تبخل بالكلمات فهي مصنع السعادة والأمل والحب. واجعل كلامك طيبا مفاتيح للخير ومغاليق للشر.
يقول سقراط “تكلم حتى أراك” ولم يقل حتى أعرفك أو أفهمك؛ لأن صوتك يعبر عن وجودك، وإن كلامك هو أنت وبدونه فأنت غير مرأي ولا أحد يراك. واللسان هو من يعبر عن هويتك. والكلمة هي ما تميز البشر عن باقي المخلوقات، وهي انعكاس لشخصيتك.
وإذا كان الإنسان يموت فإن الكلمة لا تموت ولا يموت أثرها بين الناس. الكلمة الطيبة يستمر خيرها حتى بعد موت صاحبها، فهي رخصة انتقال إلى قلوب العباد.
اللهم وفقنا بالكلام الطيب من القول واصرف عنا سيئ الأقوال.
وإلى لقاءٍ آخر وأطروحةٍ جديدة.

بقلم: أميرة لطفي

بقلم: أميرة لطفي٠









