
في ظل الشح المائي
بقلم مهندس: طلعت عبدالرحيم
بحلول عام 2025م، يقدر أن ثلثي سكان العالم المتزايد بشكل مطرد سيعيشون في مناطق تعاني شحًا مائيًا. في حين أن الوقت الراهن لا تتوافر مياه الشرب النظيفة لنحو 2,1 مليار نسمة. وأشد سكان العالم فقرًا يدفعون ثمنًا باهظًا مقابل مياه غير آمنة لا بديل عن تجرعها، بينما تتسبب مياه الشرب الملوثة في وفاة نصف مليون شخص سنويًا بسبب الإسهال.
وفي البلدان الأغنى – حيث استهلاك الماء أكثر من البلدان الفقيرة للاستخدامات الزراعية والصناعية المكثفة – تنفد المياه الجوفية ومياه الأنهار بأسرع من معدل تعويضها.
وتم عمل تقنية عن طريق آلية التبريد لاستخلاص المياه بواسطة أجهزة التبريدوالتكثيف. وهناك تقنية أخرى لاستخلاص الماء من الهواء بخلاف آلية التبريد، وذلك عبر الاستعانة بمواد “مجففة” تمتص الرطوبة من الجو دون الحاجة إلى كهرباء. تلك التقنية خرجت لتوها من إطار البحث إلى الإنتاج. ويقول “وولغرين” إن ميزة أنظمتها تكمن في اعتمادها على مواد زهيدة السعر نسبيا. وهو ما يخفض تكلفة إنتاج المياه، فضلا عن استخلاص الماء في أجواء أكثر جفافا”. وفي بعض البلدان، يشتكي المواطنون من سوء المياه التي توفرها لهم سلطات لا يثقون بها. ففي “فلينت” إحدى مدن ولاية “ميشيغان”، كشفت التحاليل عن احتواء مياه الصنبور على مواد مشعة فضلا عن الزرنيخ والرصاص، فكان لابد من وضعم عليه للمياه النقية للشرب.
وقد تم وضع نظام زراعي لا يعتمد على المياه الأرضية المعتادة، فيمكن الاعتماد على مصادر مياه أخرى غير تقليدية وبالأخص المناطق الصحراوية، فمصدرها رطوبة الهواء الجوي حيث في كل مكان يحتوي الهواء على بخار الماء، سواء في المناطق الصحراوية أو المدن الرطبة.
المياه المعلقة
ويقدر العلماء أن نسبة المياه المعلقة في الهواء في صورة رطوبة تبلغ نحو 12 ألفا و900 كيلومتر مكعب من المياه. وهو ما يربو على حجم مياه بحيرة سوبيريور الأضخم بأمريكا الشمالية، إذ يقدر حجم مياهها بنحو 11 ألفا و600 كيلومتر مكعب؛ أو ما يعادل مياه بحيرة فيكتوريا – الأضخم في أفريقيا – خمس مرات، إذ تضم 2700 كيلومتر مكعب من المياه.
ونحن هنا لا نتحدث عن السحب، بل فقط عن الرطوبة في الهواء الذي نتنفسه، والتي تتجمع كقطرات ماء على كوب مشروب بارد، أو على العشب الأخضر في الصباح الباكر. وذلك عبر تقنية جديدة عبارة عن جهاز يشبه الإسفنجة تدخل في تكوينه مادة «البوليمارات» الكيميائية ذات الاستجابة الحرارية الخاصة، التي تُمكّنه من امتصاص جزيئات الرطوبة من الجو عند درجات حرارة منخفضة، خلال ساعات الليل، وتطلقها تلقائياً على هيئة مياه عندما تصل إلى درجة التشبع خلال ساعات النهار. ويتم تجميعها في وعاء خاص وضخها في شبكة تنقيط خاصة بالنباتات. أو من الممكن وضع الأجهزة بطريقة ونظام خاص على النباتات أو مواضع إنباتها، وتقوم بالري مباشرة النباتات.
ولهذه الطريقة مميزات كثيرة حيث إنها تمكن النبات من أخذ حاجاته يوميا من المياه. كَما أنها تعمل على تخفيف الرطوبة الجوية مما يقلل الظروف المناسبة لانتشار الأمراض النباتية. كما أنها تقلل الحمل الحراري نتيجة زيادة الرطوبة الجوية.
ومن المعروف أن جزيئات الرطوبة تتوافر في الهواء بشكل دائم وبنسب مختلفة. وتمتاز المياه المستخلصة منها باحتوائها على نسبة ملوحة أقل من مياه البحر، مما يتيح إمكانية تخزينها والاستفادة منها في ري المحاصيل الزراعية، للحدّ من ظاهرة نضوب مياه الري في بعض المناطق الزراعية.
وحول كمية المياه التي يُمكن إنتاجها من الرطوبة، قال الخزرجي: «كون المادة المستخدمة في الاختراع تمتاز بكثافة الماء نفسها، فإنها قادرة على امتصاص وإنتاج ثلاثة أضعاف حجمها من المياه. أي أن كل لتر منها ينتج ثلاثة لترات من الماء».
وفي البلدان الأشد فقرا في الماء مثل مصر ولندن، يمكن استخدام هذه المياه للشرب. وكثير من أبناء الطبقات الوسطى أخذوا يشترون مياه القوارير والتي شهد سوقها على مستوى العالم زيادة سنوية مقدارها 10 في المئة عامًا بعد آخر منذ 2013 لتصل إلى 391 مليار لتر بيعت في 2017 “أي أكثر من 150 ألف حوض سباحة أولمبي”.
ومن ثم بات وجود مصدر مستدام للماء العذب بخلاف الشبكات التقليدية أمرًا مطلوبًا للحد من الفقر والمرض ومغريًا للمستهلكين الميسورين أيضا.
استخلاص المياه من الهواء
فكرة استخلاص المياه من الهواء ليست جديدة إذ تستخدمها أجهزة استخلاص الرطوبة من الجو في بعض المنازل دون أن تكون المياه المستخلصة نظيفة. كما تفتقر إلى الأملاح المعدنية المطلوبة. وما تستهلكه تلك الأجهزة من كهرباء غير واقعي لتلبية حاجة منزل من المياه ناهيك عن شارع أو مدينة. ولكن عدة شركات بدأت تطوير تقنيات استخلاص الرطوبة لأغراض الشرب. وتعتمد أجهزة استخلاص الرطوبة على ملف معدني يُبرد بغاز تبريد على غرار الثلاجة المنزلية، لتتجمع الرطوبة داخله كقطرات ماء تحول البخار من الحالة الغازية إلى السائلة عند درجة حرارة معينة تعرف بدرجة تكثف البخار أو “درجة الندى”.
وفي أجهزة استخلاص الماء من الهواء يتكثف بخار الماء على الملف البارد بنفس الطريقة، ولكنه يمر بعد ذلك عبر مرشح ويعقم الماء المتجمع بالأشعة فوق البنفسجية لقتل الجراثيم وتضاف إليه المعادن المطلوبة، ليخزن بعدها في حاوية صالحة لمياه الشرب.
ويرصد استشاري المياه الكندي “رولاند وولغرين” سجل الابتكارات المتعلقة بأجهزة استخلاص الماء من الهواء على موقعه “أتموسووتر دوت كوم” على الإنترنت، ومن بين 71 شركة تنشط في ذلك المجال تركز 64 منها على استخلاص المياه عبر آلية التبريد، وهو ما يجعلها التقنية المتصدرة للسوق.
ويقدر وولغرين استهلاك الكهرباء بـ0,4 كيلوواط/ ساعة للتر بتكلفة 5,2 سنت أمريكي بأسعار الكهرباء الحالية في الولايات المتحدة.
وتنتج شركة “ووتر فروم إير” الجنوب أفريقية مبردًا لاستخلاص الماء من الهواء للاستخدامات المنزلية يوفر 32 لترًا من الماء يوميًا. وبخلاف مبردات الماء التقليدية لا تحتاج تلك المبردات لاستبدال براميل المياه البلاستيكية بشكل مستمر.
وهناك أيضا شركة “ووتر ميكر” الهندية التي تبيع أجهزة تتراوح أحجامها من الصغير إلى الضخم الذي يناهز حجمه حجم شاحنة، والذي يستخدم لتلبية حاجة القرى أو التجمعات الحضرية.
وطرق الاستخلاص بالتبريد هذه
وقد تم وجود طرق أخرى لاستخلاص المياه ومنها طريقة الألواح أو المزهريات التي تم انشائها بإثيوبيا، ففي مناطق ريفية في إثيوبيا وتوغو وقريبا في هاييتي، تنتصب “أبراج وركا” بارتفاع عشرة أمتار على شكل يشبه مزهرية الخيزران شدت إليها شبكة من مئات الأمتار المربعة من البوليستر يتجمع عليها الضباب صباحا لينساب قطرات ماء إلى مستودع تحت الأرض، مرورا بطبقات من الصخور المرشحة.
ويقول المهندس الإيطالي “أرتورو فيتوري” مبتكر تلك الأبراج أنه استلهم الفكرة أثناء سعيه لتصميم قاعدة قمرية لناسا، مضيفا: “حين يأخذ المصمم في الاعتبار بيئة صعبة كالفضاء الخارجي، فسيكون عليه أن ينقل الماء من الأرض ومن ثم يعاد تدويره واستخدامه في دائرة مغلقة. الأمر نفسه يحدث على كوكب الأرض عبر الدورة الطبيعية للماء تبخيرا وتكثيفا”.

بقلم مهندس: طلعت عبدالرحيم









