تابع مقال: البحث عن الحقيقة "على الأسلوب القرآني" يكتبه: محمد شبكة فطر الإنسان على أن يبحث عن أمرين: أمر دينه ، وأمر دنياه ، فهو في بحثه في أمر دينه يريد أن تهتدي نفسه لحقيقة روحانية تطمئن إليها وببحثه في أمر دنياه يود أن يعيش على أكمل وجوه المعيشة بالاستفادة من خيرات الوجود وقواه وقد سمى الأوروبيون اليوم الأمر الاول بالفلسفة والأمر الثاني بالعلم الطبيعي وقد سموا الاول فلسفة ولم يسموه دين لأنهم حكموا على الأديان بأنها لا توصل إلى حقيقة وأنها ليست إلّا حشوا من أفكار المتقدمين قدست تقديسا، ولكنها لا تفيد اليوم في قيادة النفس العصرية أقل إفادة. ثم قالوا إن الفلسفة يجب أن تكون حسية عملية بمعني أن كل معقول لا يؤيده الحس إلا بعد حقيقة بل يلفظ إلى عالم الظنون وقالوا في العلم الطبيعي أن كل نظرية لا تعد من العلم الا إذا أسعفتها التجربة وقولها الاختبار وكان لها أثر في مصلحة الإنسان . على هذين الأصلين قام الفكر العصري، فسقطت أمامه كل مدركات الأديان المحرفة فإن منهاج تلك الأديان في تقرير الحقائق الأولية الاعتماد على قول الرؤساء الدينيين، واعتبار آرائهم مقررات لا يجوز التردد في حقيتها، ومثل هذه الأصول يستحيل حياتها في هذا العصر فتوهمت الفلسفة العصرية بالنظر لهذه الأصول أنها أول من خلص العالم من إصر التقاليد والظنون، ولم تدر أن هذا القرآن قد سبقها بثلاثة عشر قرنا في تقرير تلك المبادئ وإليك التفصيل: تقول الفلسفة العصرية: الحق لا يتعدد ولا يتعلق بزمان دون زمان وقال تعالى ( فماذا بعد الحق إلا الضلال) يونس 32 . تقول الفلسفة العصرية: الحقائق بحر لا ساحل له ، والإنسان لا ينال منه إلا نزرا يسيرا ، وقال تعالى ( وما أوتيتم من العلم الا قليلا) الإسراء 85 . تقول الفلسفة العصرية: العلم رأس مال الحياة البشرية ، فيجب على الإنسان ألّا يقصر في طلب العلم وقال تعالى (وقل ربي زدني علما) طه 114 . تقول الفلسفة العصرية: أن الإنسان خلق قادر على استخدام الطبيعة في مصلحته فيجب عليه ألا يعنى في ذلك لأن به ترتبط رفاهيته ، وقال تعالى ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه) الجاثية 13 . تقول الفلسفة العصرية العلم قوة لا تعادلها قوة أخرى ، وصلاح دونه كل صلاح ، فمن علم وعمل ، فاز على من لم يعمل ، سواء علم أو لم يعلم وقال تعالى ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) الزمر 9 . وقال أيضا ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله) التوبة 10 . تقول الفلسفة العصرية الكتاب الحق الذي يجب أن يستقي منه الإنسان جميع معلوماته ، هو كتاب الطبيعة ففيه من آثار العلم الإلهي ما يصلح لأن يهدينا إلى الحقائق بالحس والمشاهدة ، على أن الطبيعة مصدر حياة الإنسان ، ومستودع مرافقه المعيشية ، وقال تعالى ( قل انظروا ماذا في السموات والأرض) يونس 101 . ( قل سيروا في الأرض فانظروا) الروم 42 . تقول الفلسفة العصرية ما ضلل الإنسان عن الحقائق وهي قوام حياته ومهب سعادته إلا الاستراحة للخيالات ، و إعطاء الظنون حق الحكم على الأشياء وقال تعالى ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) الأنعام 116 .هذه خطة الفلسفة العصرية في البحث عن الحقيقة ، وفي الأعلام التي يجب على الإنسان أن يهتدي بها ، وفي ميزان الحكم على محصولات الفكرة النظر وقد رأيت أن كل ذلك قد سبقها القران الكريم إليه بالنص لا بالتأويل، فلننظر الآن في محصول الفلسفة العصرية الذي تأدي هى إليه بالجري على أسلوبها هذا في كل بحث من الأبحاث التي تعني الإنسان في معاشه ومعاده ثم لنقارنه بما كشفه القرآن الكريم لذويه قبل نحو أربعة عشر قرناً .