مقالات متنوعة

أيّام الحرّ الشديدة

وقت النشر : 2023/09/06 11:09:24 PM

أيّام الحرّ الشديدة

بقلم: رجب أبو الحسن

تكمن بين سطور قصة أصحاب الأيكة، شعيب وقومه.
لقد أرسل الله عليهم “عذاب يوم الظلة”، الذي وصفه بأنه عذاب عظيم، كان هذا العذاب يتمثل في حر شديد وشمس ملتهبة، حيث التهمت النيران بيوتهم وشوارعهم، ولم يكن هناك ملاذ لهم في ظلال حيث لم يستنفعوا بها، وكانوا يشربون الماء ولا يروّون رَوْيَةً.

تحاصَرهم الحرارة المطلقة وتلاحقهم بلا رحمة، حتى وجدوا أنفسهم يحفرون السّراديب ويبحثون عن أي مكان يمنحهم ظلًا ليحتموا فيه، ولكن الموقف كان مأساويًا حيث تحوّلت السراديب إلى أفران حارقة، حتى عندما هربوا إلى الصحراء ودخلوا إلى الجحور والكهوف، كانوا لا يستطيعون الاستمرار فيها بسبب الحرارة الشديدة والعذاب المستمر، حتى أن البعض منهم كان يرى السبع في الصحراء ينتظر ليلته الفرصة ليفترسه.

وفي النهاية، حان اليوم الموعود، يوم الظلة الذي أرسله الله لإنقاذهم من هذا العذاب الشديد، فأرسل الله سحابة ظللت عليهم، ففرحوا بظلها المُعتّق، وبدأوا ينادون بعضهم بعضًا ليجتمعوا تحت ظِلالها الرحيمة، وفجأة، انهمرت عليهم أمطار النار، نار العذاب التي كانوا يستدلون على إطفاء شوقهم بها.

في الحقيقة، لماذا يا تُرى؟ ما هو الذنب العظيم الذي ارتكبوه ليستحقوا هذا العذاب المؤلم؟

الله سبحانه وتعالى يروي لنا قصة دعوة النبي شعيب عليه السلام لهذا القوم، حيث ينبههم على ضرورة العدل في معاملتهم بأن قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:
{أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين.}

سورة الشعراء آية 181.

فقد كانوا يأكلون حقوق الناس بطرق غير مشروعة، كانوا يسرقون ويختلسون، يضيّعون العدل والإنصاف، ويُفسدون في الأرض ويوصلون البلاء والجور بين الناس.

فتبدو العدالة في عين الإنسان صغيرة وتافهة، لكن في عين الله العادل الرحيم فهي شيء كبير وعظيم، فسبحان الله، سمحُوا لأنفسهم بالظُلم والاستيلاء على حقوق الآخرين، وتوقعوا أن يُغنيهم ذلك ويكفيهم، لكنهم لم يكونوا ليدركوا أبدًا أن هذا الظلم سيكون سببًا في عذابهم الأليم يوم الظلة.

أيام الحر الشديد تعلّمنا أن العدل والاعتدال في معاملتنا مع الآخرين هما أساس السلام والنجاح الحقيقي، وأن التمادي في الظلم والظلمة سيُفضي بنا إلى الهلاك والجفاف.

فلنتعلم الدرس، ولنحكم أعمالنا بالعدل والإنصاف ونسعى لبناء مجتمع متراحم يتمتع بالرحمة والسلام، فهل سنستفيق ونُغيّر قبل أن يتحوّل الظلم الذي نرتكبه إلى عذاب يوم الظلة؟

ولتتمكن من فهم ما سبق بشكل أعمق، فقصة أصحاب الأيكة والعذاب المُلقى عليهم يختزل فيها دروسٌ عظيمة يمكن استخلاصها وتطبيقها في حياتنا اليومية، إن يوم الحرارة الشديدة والظلال المفقودة هو رمز للأزمة والبلاء الذي نتعرض له عندما نبتعد عن العدل والاعتدال في حياتنا.

لقد وجه الله سبحانه وتعالى هذا العذاب لشعيب وقومه نتيجة انحرافهم عن المبادئ الأساسية للعدل والإنصاف، فالله أمرهم بأن يوفوا الكيل ولا يوجدوا بالغش والغلو في تقدير الأشياء، وألا ينتهكوا حقوق الناس ويعملوا الفساد في الأرض، لكنهم تجاوزوا كل تلك المبادئ وحلوا محلها الظلم والسلطة الظالمة.

كانوا يستغلون الناس ويسرقون أموالهم، فكانوا يتلاعبون بالميزان والقسطاس في تقدير السلع، وبالتالي كانوا ينالون مزيدًا من الثروة على حساب حقوق الآخرين، وعندما يفقد الناس الثقة في المجتمع وينتهكون حقوقهم، ينتج عن ذلك الفساد والقسوة والفقر.

وعلى الرغم من تحذيرات شعيب ودعواته لقومه بالعدل والاعتدال، إلا أنهم تجاهلوا رسالته واستمروا في الظلم والبغض والاستبداد، لذلك، رأوا في الظلال الكثيفة يوم الظلة فرصة للنجاة والراحة، ولكنها قابلتهم بأمطار النار كعقاب على جرائمهم وظلمهم.

من القصة، يتضح لنا أن العدل والعدالة هما أساس السلام والاستقرار في المجتمع، إذا انحرفنا عن هذه المبادئ، فإننا نعرض أنفسنا للنكبات والعذابات التي تهدد بتدمير حياتنا، فالعدل ليس مجرد مفهومٍ فلسفي، بل هو قوةٌ تحكم تفاعلنا مع الآخرين وتؤثر في حياتهم، لذا، تعلمنا من هذه القصة أنه علينا أن نكون عادلين في معاملتنا مع الآخرين، وأن نُحتسب في معاييرنا وأفعالنا.
يجب علينا أن نتحلى بخلق العدل في جميع جوانب حياتنا، سواء في العمل، أو العلاقات الشخصية، أو التعامل مع الناس وحقوقهم.

وليس العدل مقتصرًا على فصل النزاعات وتطبيق العقوبات، بل يتعداها ليشمل مفهومًا أوسع يتضمن إعطاء كل فرد حقه والتعاطف والتعاون مع الآخرين، إن الاعتدال وتطبيق العدل يحققان التوازن والتناغم في المجتمع، ويُسهمان في بناء عالم أفضل للجميع، لذا، دعونا نستفيد من هذه القصة ونتعلم أن تكون لنا رؤية عادلة وأعمال متوازنة لنبني مجتمعًا يتمتع بالسلام والازدهار وحياة أفضل للجميع.

 

 

للمزيد..

زر الذهاب إلى الأعلى