مقالات متنوعة

العقاد حامي حمى القرآن

العقاد حامي حمى القرآن

كتبه: أ. حاتم سلامة

ويبقى الأستاذ العقاد أمام الله وأمام التاريخ وأمام المثقفين الواعين من أبناء الأمة، فارس من أولئك الفرسان الأشداء الذين أشهروا أقلامهم البتارة في التصدي للطاعنين في القرآن الكريم من المستشرقين والمبشرين بشبهاتهم المغرضة.

كان العقاد -رحمه الله- من السباقين في الذود عن حياض القرآن وجلاء حقائقه والدفاع عنه وتسفيه آراء معارضيه وكل من يحاول النيل منه من خصومه الحَقدة.

ولقد وصف العقاد من يطعنون في القرآن بأنهم يتخبطون في التفكير كما يتخبط المصابون بالعلل العقلية، ومنهم من يحكمه التعصب الذميم الذي يقودهم إلى المغالطة، فيحجب الحقيقة أو يحتال في وسائل الترويج والتضليل.

وكان ممن تصدى العقاد لشبهاتهم وافتراءاتهم حول القرآن الكريم رئيس المبشرين الدكتور (صمويل زويمر) الذي كان يلقب في دنيا التبشير بالرسول المختار إلى العالم الإسلامي.

 

 

هذا الرجل الذي تحدث في أحد كتبه عن العلوم والفنون العربية، فقال فيما قال:

“إن الشهد -العسل- لم يزل معدودًا كالترياق في بلاد العرب استنادًا إلى القرآن والحديث، وكانت الإشارة الوحيدة إلى الطب في وحي محمد هذه الكلمة الغبية التي يقول فيها عن النحل إنه {يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيِه شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرُون} وكان هذا هو العلاج الوحيد الذي وصفه الله في كتابه”.

ويبدو واضحًا مما ذكره زويمر، أنه في معرض التسفيه والتحقير والتجهيل والسخرية من النص القرآني والتجني عليه بوصف وقح لا يليق أن يخرج إلا من جاهل حاقد.

وهنا لم يصمت العقاد، وشرع في الرد القاصم الفاصل الذي فضح عقل زويمر وثقافته وفهمه، وأظهر إلى أي مدى يغرق هذا الرجل الحقود في الجهل والغباء.

رد العقاد على شبهته بالعلم واللغة، وهما أمران ثبت جهلهما لدى هذا الدعي المتخبط ومن ثم كان كلامه آية في السفاهة والتجني.

يقول الأستاذ العقاد في رده عليه في كتابه “ما يُقال عن الإسلام”:

“إن الدجل المتعمد ظاهر في قول هذا العلامة  الغبي إن القرآن حصر الطب كله فى دواء واحد هو الشهد، فإن المعنى الذي تفيده الآية بغير لبس ولا محاولة أن الشهد شفاء ولم تقل إنه كل الشفاء، ولا أنه شفاء من جميع الأمراض، فإن وصف الشهد بهذه الصفة لا يزيد على أنه دواء من الأدوية كما يوصف أي عقار من العقاقير في الصيدليات.

ومثل هذا الادعاء «التبشيري» لا يعتسف اعتسافًا على هذه الصورة إلا للافتراء المتعمد طمسًا للحقيقة مع سوء النية.

أما حكم العلامة بالغباوة على وصف «الشهد» بالشفاء فليس له معنى غير غباوة مطبقة في القائل إن كان مصدقًا لما قال، فلِمَّ لا يكون «الشهد» دواء من الأدوية وهو خلاصة أعشاب وأزهار؟

إن علاج الأمراض بالأعشاب والأزهار قديم جدًا في كل أمة، وهو قوام العلاج إلى اليوم في أكثر الأدوية التي يصفها الأطباء العصريون لضروب شتى من الأمراض وتستحضرها معامل الكيمياء في بلاد الحضارة.

وهذا قبل شيوع الكلام عن «الفيتامينات» وتقرير العلاج بها للأمراض الباطنية وأمراض الأعصاب وعلل الضعف والإعياء على اختلافها، فلماذا يمتنع على العقل كل الامتناع أن يصف دواء الشهد بوصف غير الغباوة؟

لماذا يرفض العقل أن تكون خلاصة الزهر ومستودع «الفيتامينات» والحيويات دواء ينتفع به الضعيف أو المريض؟ إن «الغباوة» هي عجز العقل عن فهم هذه الحقيقة أو عجزه عن فتح الباب لتصورها على كل احتمال.

 

 

ثم يسخر العقاد من زويمر ويرد له الصاع صاعين جزاء تطاوله ووقاحته فيقول:

“وإلى هنا قد تكون الغباوة مفهومة إذا هي تشابهت في سوء الفهم ولم تتخصص للشهد دون غيره، ولكنها «غباوة » تنزل إلى ما دون «مستوى الفهم» إذا كان صاحبها يرفض الشهد علاجًا ثم يتقبل تطهير الأمراض الجلدية بدماء العصافير، ويتقبل أن تكون رائحة الشواء سرورًا للإله، ويتقبل أمثال ذلك من أوصاف الكتب التي يتلوها على الناس ويقدسها صباح مساء.

العقاد حامي حمى القرآن.

ثم يمعن الأستاذ العقاد في فضح زويمر وكشف جهله المركب حينما يستدعي شهادة العلم الحديث في الموضوع والتي كشفت إعجاز القرن الطبي بشكل مذهل فيقول:

“بعد وفاة زويمر ببضع سنوات ظهر باللغة الإنجليزية كتاب عن الطب الطبيعي يقول مؤلفه عن الشهد ما كان زويمر يدعيه على القرآن الكريم، ويعقد المؤلف لخصائص الشهد الطبية فصلًا مستقلًا يوشك أن يجعله (صيدلية) وافية تغني عن عشرات من العقاقير.

وليس المؤلف واحدًا من أولئك المتطببين الجهلاء بتعاطي علاج الأمراض بوصفات الأقدمين من قبيل تذكرة داوود الأنطاكي في اللغة العربية، بل هو الدكتور جارفس الطبيب المتخرج من مدارس الطب الحديث وصاحب المباحث العلمية التي سمعها زملاؤه العظماء المصريون وأشاروا عليه بجمعها للإفادة منها، فجمعها ونقحها وأودع فيها صفوة التجارب التي حققها نحو أربعين سنة إلى أن جاوز الثمانين، وسماها بطب الجمهور “Folk medicine” كما تسمى من قديم الزمن بين الغربيين.

وهو لا يعلل فائدة الشهد في العلاج «بالبركة» ولا بالتأثير النفساني المستمد من العادة ولا بالتغذية الصالحة التي تعمل عمل الدواء وإن لم يحسبها الأطباء من الأدوية العلاجية، ولكنه يعلله بأسباب علمية يعتمدها الأطباء والصيدليون في تحضير الأدوية وتقسيمها على حسب الجراثيم التي تُحدث الأمراض أو تضاعف أضرارها.

ويقول في تمهيدات فصل مطول كتبه عن الشهد خاصة إنه لا يتكلم عن نظرية معروضة للامتحان بل يقرر التجربة المحققة التي أثبتت أن «البكتريا» لا تعيش في الشهد لاحتوائه على مادة «البوتاس» وهي تحرم البكتريا تلك الرطوبة التي هي مادة حياتها.

قال: “إن الدكتور ساكيت أستاذ البكتريا بكلية الزراعة في فورت كولنز وضع أنواعًا من جراثيم الأمراض في قوارير مملوءة بالعسل الصرف، فماتت جراثيم التيفويد بعد ثمان وأربعين ساعة، وماتت جراثيم النزلات الصدرية في اليوم الرابع، وماتت جراثيم الدوسنتاريا بعد عشر ساعات، وماتت جراثيم أخرى بعد خمس ساعات.

ثم استطرد المؤلف إلى بيان المواد الغذائية الموفورة في الشهد، فذكر منها الأغذية المعدنية وعد أكثر من عشرة معادن غذائية تدخل في تركيبه.

ونقل تقرير الأستاذ شويت Schuette العالم الكيماوي الذي يقول فيه إن الأغذية المعدنية تختلف باختلاف ألوان الشهد، فالنحاس والحديد والمنجنيز أوفر في الشهد الضارب إلى السواد، والحديد ضروري لاتصاله بالمادة الملونة للدم أو الهيمجلوبين.

ويلى ذلك كلام عن المعادن الغذائية وعلاقتها بألوان هذا الشراب كما جاء في القرآن الكريم وهو يشير إلى اختلاف ألوانه وما احتوته عن أسباب الشفاء، ثم أجمل الطبيب مزايا المادة السكرية في الشهد فعدد منها:

(1) أنها لا تهيج جدران القنوات الهضمية.

(2) أنها سريعة التمثيل في البنية.

(3) أنها تتحول سريعًا إلى طاقة بدنية.

(4) أنها مناسبة للمشتغلين بالألعاب الرياضية لتعويض الطاقة.

(5) أنها بين أنواع السكريات أوفقها للكليتين.

(6) أنها مهدئه ملطفة.

(7) أنها مساعدة طبيعية لعملية الهضم فضلًا عن سهولة الحصول عليها.

استطاع العقاد أن يُسقط شبهة هذا الدجال الذي يتبع التبشيريون أقواله وكأنها وحي السماء، وأظهر بجلاء عظمة القرآن وإعجازه الطبي الجبار الذي جاء العلم الحديث بعد قرون وقرون ليؤكد حقائقه، التي تكيد أعداءه وتظهر افتراءهم وبهتانهم.

 

العقاد حامي حمى القرآن.

ويبقى السؤال.. لماذا لا يتنبه الحاقدون على العقاد من الإسلاميين الموتورين الذين أعماهم الجهل والتخلف عن مثل هذا الانتصار الكبير، وعن فضائل الرجل الفذ الذي دحر المبشرين والمستشرقين، وأبدى للدنيا عوارهم وإفلاسهم؟

عجيب أن يكون رجلًا مثل في يوم من الأيام أقوى دروع الإسلام، ثم يأتي اليوم أغرار لينالوا من قامته وعلمه ومكانته ويتقولون عليه بعبثيات وهراء لم ينسجها إلا خيالهم المريض.

 

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي