
رثاء الشهيدة.. ووجع القصيدة
بقلم: محمود محمد زيتون
للشعر أمراء.. وأمراء الشعراء في الأدب العربي ثلاثة، هم:
امرؤ القيس، أبو الطيب المتنبي وأحمد شوقي.
أما رئيس جمهورية الشعر وأمير شعراء جيلنا فهو نزار قباني..
نزار قباني شاعر عظيم، جدد الصور الشعرية، وعبر عن الإحساس المكبوت والإحساس المعلن بأسلوب عصري رشيق أنيق، واقترب من سيكولوچيّة المرأة كإنسانة وأنثى.
وهو السياسي الذي عاش بعيدًا عن سوريا الوطن، وحُرم دفء الأهل وعبق المكان والزمان وعبر عن حنينه لوطنه في الغربة قائلًا:
هذي دمشق وهذي الكأس والراح
إني أحب وبعض الحب ذباح
أنا الدمشقي لو شرحتم جسدي
لسال منه عناقيد وتفاح
ولو فتحتم شراييني بمديتكم
سمعتم في دمي أصوات من راحوا
زراعة القلب تشفي بعض من عشقوا
وما لقلبي إذا أحببت جراح..
وإذا كنا نختلف مع نزار في بعض أساليبه وتراكيبه اللغوية، وبعض اتجاهاته الفكرية، فإن ذلك لا يعني إهالة التراب على موهبته الشعرية، وتجاهل أنه مدرسة شعرية وحالة ثقافية؛ إذ قرب الشعر من عامة الناس.
كان نزار قباني يلقي قصيدته في إحدى القاعات التي ضمت مهرجانًا شعريًا في بغداد في عام 1962 فوقع بصره وهو يشدو بقصيدته على فتاة عراقية في العشرينات، شديدة الجمال، مليحة القوام.. تلاقت أبصارهما مرات ومرات، فوقعت في قلبه وهام بها.
سأل عنها فعلم أنها «بلقيس الراوي» وأنها تعيش في الأعظمية في بيت أنيق يطل على نهر دجلة، فتقدم لخطبتها من أبيها، ولكن الأب لم يوافق، فعاد نزار إلى إسبانيا حزينًا حيث كان يعمل سفيرًا لبلاده.

ظلت صورة بلقيس تداعب خياله، وبعد سبع سنوات عاد إلى العراق ليشارك في المربد الشعري، وألقى قصيدة أثارت شجون الحضور، فقد كان يحكي فيها قصة حب عميقة، فتعاطف معه الشعب العراقي بأسره، وكان يقول في قصيدته:
مرحبًا ياعراق، جئت أُغنيك
وبعض من الغناء بكاء
أنا جرح يمشي على قدميه
وخيولي قد هدها الإعياء
كيف أحبابنا على ضفة النهر
وكيف البساط والندماء؟
أين وجه في الأعظمية حلو
لو رأته تغار منه السماء؟
نُقلت القصة إلى الرئيس العراقي أحمد حسن البكر فتأثر بها، وبعث وزير الشباب ووكيل وزارة الخارجية واثنين من الشعراء؛ ليخطبا بلقيس لنزار من أبيها. عندها وافق أبوها، فتزوجا في عام 1969 وعاشا أجمل أيام العمر، وأنجب منها عمر وزينب.

وفي عام 1981 وبعد أن استقر بنزار وبلقيس المقام في بيروت، حيث كانت تعمل في السفارة العراقية، وفي الخامس عشر من ديسمبر ودعها نزار لتذهب إلى عملها، تصافحا وتعانقا، وذهب نزار إلى مكتبه بشارع الحمراء، وبعد دقائق سمع صوت انفجار زلزله من رأسه إلى أخمص قدمه، وما هي إلا دقائق حتى جاءه الخبر ينعي إليه محبوبته التي قتلت في عملية إرهابية ومعها عشرات الضحايا، فكتب فيها أكبر وأعظم قصيدة رثاء بعنوان بلقيس، قال فيها:











