أدبيثقافةفنمقالات متنوعة
بين الانطباعية والموضوعية في نقد الأدب

بين الانطباعية والموضوعية في نقد الأدب
مقارنة: مصطفى نصر
الإنسان الانطباعي هو الشخص الذي يقيم الناس بمظهرهم الخارجي، بما يلبسون، ونوع السيارة التي أتوا بها، والعطر الذي يفوح منهم، والهاتف المحمول الذي يحملونه، وهي نظرة كما يرى قارئي العزيز تقوم على المظهر دون الجوهر.
فالكتاب عنوانه الجاذب مهم دون شك، لكن لا يجب أن نحكم على الكتاب من عنوانه، فيجب على الشخص الحصيف التمهل قبل إصدار الأحكام، وقديمًا قال حبيبنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم:
“رُبَّ أشعث أغبر لا يؤبه له،مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره”
الانطباعية في النقد الأدبي هي نهج نقدي يركز على تجربة القارئ الشخصية وانطباعاته الاولية عن العمل الأدبي دون أن يستخدم أي أسباب منطقية للحكم الذي أصدره، وقد تجلى ذلك بوضوح في النماذج الأولى للنقد الأدبي التي ظهرت في نقد النابغة الذبياني في سوق عكاظ حسب ما جاء في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني طبعة دار الفكر ج9 ص 194
كان نابغة بني ذبيان حَكمًا في الشعر، وكانت تُضرب له قبّة من أدَم (من جلد، وقيل هو أحمر) بسوق عكاظ يجتمع إليه فيها الشعراء؛ فدخل إليه حسّان بن ثابت وعنده الأعشى، وكان قد أنشد الأعشى شعره.
ثم حضرت الخنساء، فأنشدته قصيدتها التى مطلعها :
” قَذىً بِعَينِكِ أَم بِالعَينِ عُوّارُ …
أَم ذَرَّفَت إِذ خَلَت مِن أَهلِها الدارُ “
حتى انتهت إلى قولها:
وَإِنَّ صَخرًا لَتَأتَمَّ الهُداةُ بِـهِ …
كَأَنَّهُ عَلَــمٌ فـي رَأســِهِ نــارُ
وَإِنَّ صَخرًا لَمولاِنا وَسَيِّدُنا …
وَإِنَّ صَخرًا إِذا نَشتو لَنَحّارُ
قال النابغة: لولا أن أبا بصيرٍ (يقصد الأعشى) أنشدني قبلك لقلت: إنك أشعر الناس، أنت والله أشعر من كل ذات مثانة (موضع الولد من الأنثى- أي أشعر النساء) !!
قالت الخنساء: ومن كل ذي خُصيتين. (كناية عن الرجال- كذلك).
يلاحظ هنا أن هذا الحكم صدر على شعرها كله بناءً على هذه القصيدة، ولولا أن الأعشى جاء قبلها لقال إنها أشعر العرب.
ثم يقدم لنا الأصفهاني في نفس المصدر السابق ونفس الصفحات نموذجًا آخر من نقد النابغة الذبياني لحسان بن ثابت:
فقال حسان: أنا والله أشعر منك ومنها.
قال: حيث تقول ماذا؟
قال: حيث أقول:
لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلمَعنَ بِالضُحى …
وَأَسيافُنا يَقطُرنَ مِن نَجـدَةٍ دَما
وَلَدنا بَني العَنقاءِ وَابني مُحَـــرِّقٍ …
فَأَكرِم بِنا خالاً وَأَكرِم بِنا اِبنَما
معنى البيتين أن حسان يفخر بقومه اليمانيين وكرمهم، وأن لهم جفانًا ضخمة- أي أوعية ضخمة للطعام، تُنصب فى الضحى ليأكل منها الناس، وفى نفس الوقت فهم شجعان وأسيافهم تقطر دمًا من كثرة نجدتهم للناس.
ثم يفخر بأنهم أهل لهذين الحيين (بني العنقاء) و (ابني محرق) فأكرم بنا نحن الأخوال، وأكرِم بالأبناء!
وكلمة (ابنما) تعنى ابن، ويجوز زيادة (ما) فيها .
فماذا قال النابغة في الحكم على هذه الأبيات؟:
قال لحسان: إنك لشاعر لولا أنك قللت عدد جفانك، وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن ولدك.
وفي رواية أخرى: فقال له: إنك قلت- “الجفنات”، فقللت العدد، ولو قلت “الجفان” لكان أكثر.
وقلت- “يلمعن في الضحى” ولو قلت- “يَبرُقن بالدجى” لكان أبلغ في المديح، لأن الضيف بالليل أكثر طروقًا، وإكرام الضيف نهارا في وقت الضحى لا يجلب لك اي مزية في الكرم.
وقلت- “يقطرن من نجدة دمًا” فدللت على قلة القتل، ولو قلت “يجرين” لكان أكثر لانصباب الدم. وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك. فقام حسان منكسرًا منقطعًا”.
إليك بعض النقاط الرئيسية حول الانطباعية في النقد الأدبي: بناء على هذه النماذج
المبادئ الأساسية للنقد الانطباعي يقوم على الآتي:
1. التجربة الشخصية والخبرة الذاتية:
حيث تتركز الانطباعية في هذه النماذج على تجربة النابغة الشخصية وانطباعاته وخبراته كشاعر متمرس عن العمل الأدبي.
2. الذاتية:
تعتمد الانطباعية على الذاتية والتفسير الشخصي للعمل الأدبي دون الاعتمادعلى اي نظريات في نقد الشعر.
3. الانطباع الأول:
غالبًا ما تركز الانطباعية على الانطباع الأولي الذي يتركه العمل الأدبي على القارئ، دون التعمق فيه.











