أدبيمقالات متنوعةوزارات

الدادائية في نقد الأدب

الدادائية في نقد الأدب

بقلم: مصطفى نصر

الدادائية هي حركة فنية شاملة وأدبية نشأت في أوائل القرن العشرين حوالي 1916 في زيورخ بسويسرا، كرد فعل على الحرب العالمية الأولى وما رأته الحركة من عبثية في المجتمع والتقاليد، نتيجة الفوضى العارمة التي سببتها الحرب من انتهاكات ودمار وتعديات واسعة لحقوق الانسان، وخاصة حق الانسان في الحياة.

وبناء على ذلك سعت الدادائية إلى تحطيم الأطر التقليدية للمجتمع ككل، وتبعًا لذلك الأطر والقواعد الموضوعية للأدب والفن، مع التركيز على العبث، العشوائية، والتمرد على القواعد الجمالية والمنطقية والتمرد على النماذج الفنية القديمة كلوحة الموناليزا التي شوهوها بدقن وشنب تهكما وسخرية من نماذج الأدب والفن التقليدية القديمة.

غادة السمان

خصائص الدادائية:

1. رفض التقاليد: تجنب الأشكال الأدبية التقليدية مثل الوزن والقافية المنتظمة أو البنية المنطقية.

2. العبثية والسخرية: استخدام النصوص العبثية أو الساخرة لتحدي المعايير الاجتماعية والثقافية.

3. التجريب: اللعب باللغة، مثل استخدام كلمات عشوائية، أصوات، أو نصوص مجزأة.

4. التلقائية: كتابة نصوص بدون تخطيط مسبق، كما في “الكتابة الآلية”.

5. الاحتجاج: نقد الحروب، الرأسمالية، والمؤسسات التقليدية، وقواعد الفن والإبداع .

6. ⁠اللغة الساخرة: ككلمة دا دا وهي تركيب صوتي لا يحمل أي معنى، استخدم فيما بعد كاسم لهذه الحركة.

7. الكولاج: وهو تجميع لوحة من قطع من عدة لوحات سابقة، أو تجميع قصيدة من عدة قصائد سابقة.

أمثلة وأعلام:

يعد تريستان تزارا هو المؤسس للحركة الدادائية، إذ أصدر مع زوجته غريتا كونستون وصديقة زوجته صوفي تايوبر وبعض أصدقائه مجتمعًا من الكتاب، والممثلين، والفنانين البصريين، والمفكرين، والمبدعين من جميع الأنواع بيانا بمبادئ هذه الحركة، وهي على عكس العديد من الحركات الفنية التي سبقتها، لم تكن محددة بأسلوب بصري معين أو نهج جمالي، بل كانت محددة بعقلية مشتركة تتبنى الفوضى والعشوائية والسخرية والتهكم كأسلوب إبداعي فنيا وأدبيا.

 

تزارا
الدادائية في نقد الأدب

وقد أصدر الفنانون الدادائيون ملامح الحركة الدادائية عام 1918 من كاباري فولتير في قلب زيورخ، في شكل بيان تأسيسي يحمل مبادئ هذه المدرسة، مرفقا بنماذج من الأشعار تعتمد على الفوضى والعشوائية والتهكم.

ويعد صديق تزارا هوغو بال: أيضاً من أعلام الدادائية، حيث استخدم “الشعر الصوتي” الذي يركز على الأصوات بدلاً من المعاني، “ومن أنصار الدادائية أيضاً مارسيل يانكو الذي كتب نصوصاً فوضوية، وكذلك أندريه بروتون (الذي انتقل لاحقًا إلى السريالية).

نص بيان تأسيس الدادائية:

جاء في البيان الذي أصدره(تزارا) لشرح مبادئ الدادائية قوله:

“هكذا تُولدُ “دادا” من واقع احتياج إلى الاستقلالية، ومن عدم الثقة بالجميع، إن أولئك الذين ينضمون إلينا يحتفظون بحرياتهم، إننا لا نقبل بعد اليوم أي نظريات، لقد شبعنا من أكاديميي التكعيبيّة والمستقبلية ومعامل الأفكار الجاهزة، إننا ظاهرة انفجرت في وجه الأزمات السياسية، والاقتصادية، والأخلاقية، وأعتبرها المنقذ الذي سيبدد كل هذه المشاكل، لقد كان العقل والمنطق هو الذي جر الناس إلى أهوال الحرب، وكان الشكل الوحيد للخلاص هو رفض كل ما هو تقليدي وتبني منطق الفوضى والرفض. وذلك ما اعتبرته الحركة -أي منطق الرفض – هو المنطق الصحيح. إذ أن في ذاك العصر لا يمكن تقبل القيم الموجودة التي تسببت بهذا الدمار والفشل.

أدونيس

تأثير الدادائية:

أثرت الدادائية على السريالية، الأدب العبثي، وأدب ما بعد الحداثة في العالم كله، فانتقلت من سويسرا إلى بريطانيا ثم فرنسا وألمانيا وأمريكا، أما في نطاق الأدب العربي، لم تكن الدادائية حركة بارزة عند العرب، ولم يظهر أي رافد من روافدها فيه، لكن بعض الشعراء الحداثيين مثل أدونيس وغادة السمان تأثروا بشكل غير مباشر بأفكار الدادائية، سوى أنهم لم يجاروهم في العبث والفوضى، لكنهم أخذوا منهم مبدئي التجريب والتمرد على التقاليد والتخلص من قيود القصيدة في الوزن والقافية ولجأوا إلى قصيدة النثر التي هي عبارة هي قطعة نثر، غير موزونة وتأتي القافية فيها في مناطق مختلفة من الابيات وأحياناً تكون غير مقفاة، تحمل صورًا ومعاني شاعرية وأغلبها تكون ذات موضوع واحد.وهي تمثل مقاطعة تامة لقواعد الشعر في التراث العربي.

وبعد..

تعد الدادائية مدرسة عابرة في تاريخ الفنون والآداب، رغم انها وجدت تعاطفا كبيرا بسبب الغضب من اندلاع الحرب العالمية الأولى، لكنها لم تصمد طويلا فقد ظلت تيارا مؤثرا حتى العام ١٩٢٣، لكن المبدعين اكتشفوا بعد ذلك أنها لم تكن سوى حركة هدمٍ فقط، ولذلك انفصل عنها أدباء شعروا بفراغها وعبثيتها ويأسها وعدم جدواها، وقامت على انقاضها السريالية والتكعيبية .

 

 

 

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي