
تمرّ على الإنسان أيامٌ يُخيَّل إليه فيها أن الضوء قد نسي طريقه، وأن الحياة لا تمنحه إلا ظهرها، وأن كل الطرق التي سلكها تعيده إلى النقطة ذاتها، نقطة الحيرة والتعب والانتظار. يقف فيها المرء أمام نفسه، متسائلًا: إلى متى؟ ولماذا؟ وأين الله من هذا العناء؟
وهنا، في خضم تلك الأسئلة المتعبة، تشرق أول أنوار الإيمان: أن الله هنا، لم يغب. لم يتخلَّ، ولم يُدرِ ظهره لعبدٍ ناداه ولو سرًّا. لكنه – سبحانه – يدبّر بلطف، ويُمهل بحكمة، ويخبئ الخير في ظلال الغيب حتى يحين أوانه.
فحُسن الظن بالله ليس فقط أن نؤمن بأنه سيُعطينا ما نريد، بل أن نطمئن إلى أنه يُعطينا ما نحتاج، في الوقت الذي نحتاجه، حتى لو بدا لنا غير ذلك.
كل تأخير يحمل في طيّاته رعاية، وكل منع قد يكون حماية، وكل ألم يُخفي درسًا لا نراه إلا بعد حين. وربّ لحظة ضيق هي الباب السري إلى فرجٍ لم نكن لنتصوّره، وربّ دمعات خفية أنزلت من السماء رحمة لم تُعلن بعد.
تأمّل الطبيعة حولك: الشجرة لا تُثمر قبل أوانها، والزهور لا تتفتح في عزّ الشتاء، والنهر لا يبلغ البحر إلا بعد أن يسلك مجراه الطويل. وكذلك الحياة، لا تُعطيك ثمارها دفعة واحدة، لكنها لا تبخل على من صبر، وثق، وانتظر وهو يحسن الظن بمن خلقه وسوّاه وكتب له الخير في كل حين.
كم من قصة بدأت بانكسار وانتهت بانتصار، وكم من همٍّ ظنه صاحبه خاتمة المطاف، فإذا به بداية لمعجزة. إن الله لا يُجري الأمور عبثًا، ولا يتركك تتقلب في البلاء إلا وفي قلبه لطفٌ مخبوء، لا يُرى إلا لمن يصبر ويُسلِّم.
فإذا أثقلتك الأيام، لا تُسلم قلبك للظلام، بل ألقِ به في حضن الرجاء. تحدّث إلى الله، بصوتك، بصمتك، بدموعك، حتى لو لم تجد ما تقول. فهو يفهم ما خلف الكلمات، ويقرأ نوايا القلب قبل أن تنطقها الشفاه.
وثق… بأن ما تنتظره لن يضيع.
وأن الأجمل، لم يأتِ بعد.
وأن الله، لا ينسى أبدًا من وثق به.











