أدبي

أحببتك في مدينة لا وجود لها

قصة قصيرة

لم يكن في الخرائط مكان يُدعى “نيمورا”، ولا في كتب التاريخ. لكنها كانت موجودة — تقبع في المسافة بين الحلم واليقظة، حيث تستريح الأرواح المنهكة من تعب السؤال.

 

في تلك المدينة، لم يكن الزمن مستقيمًا، بل يدور في دوائر شفافة، كأنك تمشي فوق ذاكرة لا تخصك. الأرض ليست من تراب، بل من حكايات لم تكتمل. والبيوت تُبنى من ندمٍ قديم، وابتسامات أُهملت في زوايا القلب.

 

في أحد أحيائها الصامتة، كانت تسكن فتاة تُدعى سيلين. لا تتذكر اسمها الأول، ولا وجه أمها، لكنها تحفظ عن ظهر قلب صوتًا واحدًا، لم يُفارقها منذ دخلت المدينة: صوته.

 

كان يُدعى آزار، رجل ملامحه تشبه الحكايات القديمة، صوته يشبه فكرة لم تُقَل بعد. لم يكن عاشقًا عادياً، بل فيلسوفًا ضلّ طريقه إلى الحياة، فوجدها في قلب امرأة لا تعرف من تكون.

 

جلسا كثيرًا على حافة الجسور التي لا تؤدي إلى مكان، وتحدثا طويلاً عن الحب. قالت له ذات مساء:

 

– “هل تحبني؟”

فابتسم بعينين تبتسمان وحدهما، وقال:

– “أحبك؟ لا. أنا أراكِ كما يرى الضوء أول انعكاس له… أنا لا أعرف إن كان هذا حُبًّا، أم نوعاً من العودة إلى ما قبل الكلمة.”

 

سكتت سيلين، وأغمضت عينيها كمن يسمع شيئًا لا يُقال، ثم همست:

– “وهل نخرج من هذه المدينة؟”

– “نيمورا لا يخرج منها إلا من تذكّر نفسه.”

– “وأنا؟”

– “أنتِ لم تنسي بعد. لذا ستعودين. أما أنا… فقد صرتُ ظلاً لفكرةٍ لم يكتبها أحد.”

 

في الصباح، استيقظت سيلين على سرير غريب، في مدينة تعرفها جيدًا. ولم يبقَ من نيمورا إلا أثر خافت في قلبها، ودفتر صغير كتبت على صفحته الأولى:

 

“كل من أضاع نفسه، زار نيمورا يومًا. لا يتذكّر الطريق، لكن قلبه يعرف.”

أسماء سعد

كاتبة مصرية مهتمة بالفلسفة والهوية الثقافية لدمياط، تكتب مقالات أدبية وتأملية، حول الأعلام، وصحابة أسلوب صحفي مميز، وتمزج بين النثر والشعر، ولها أيضا كتابات تاريخية. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي