
قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر (2025) قراءة تربوية في مصلحة الطفل والأسرة.
حين تنفصل الطرق بين الزوجين، يبقى الطفل هو الحلقة الأضعف، التي لا صوت لها في المحكمة، ولا سلاح لها إلا الحنين والدموع .
كل قانون يصدر لتنظيم حياة الأسرة بعد الطلاق، لا بد أن يُنظر إليه من عين الطفل أولًا:
هل سيضمن له الأمان؟
هل سيحمي احتياجه للحب والاحتواء؟
هل سيمنحه حقه في أن ينمو وسط علاقة إنسانية، لا علاقة نزاع؟
قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر (2025) جاء ليعيد ترتيب المشهد الأسري بعد الانفصال.
ورغم أنه صُدِّق عليه من البرلمان في مطلع 2025، فإنه حتى الآن لم يُفعَّل رسميًا أو يدخل حيّز التنفيذ.
وهذه اللحظة الانتقالية تمنحنا كمجتمع فرصة ذهبية، لنعيد النظر في بعض مواده من منظور تربوي نفسي، قبل أن تصبح موادًا مُطبقة دون مراجعة واقعية. نناقش مواده التي تمس الطفل مباشرة، من منظور تربوي ونفسي، لنفهم: هل وضع الطفل في قلب القرار؟ أم تُرك مجددًا على الهامش؟
نبذة بسيطة عن القانون
صدر القانون بعد سنوات من الجدل المجتمعي، واستهدف تحقيق توازن في قضايا الطلاق والحضانة والنفقة.
شمل نحو 194 مادة تناولت الزواج، الطلاق، الحضانة، الرؤية، النفقة، الوصاية، والتوثيق.
من أبرز مستحدثاته: سن الحضانة، ترتيب الحاضنين، الرؤية الإلكترونية، وتوثيق الطلاق إلكترونيًا.
لم يُفعّل بعد، مما يجعل النقاش التربوي حوله ضروريًا وذا أثر مباشر على مصلحة الطفل والأسرة.
أولًا: الحضانة
بين حق الراشد ومصلحة الطفل، ينص القانون على أن الحضانة تستمر حتى سن 15 عامًا للبنين والبنات، ويحدد ترتيب الحاضنين كالتالي: الأم، ثم الأب، ثم الجدة للأم، ثم الجدة للأب.
التحليل التربوي للقانون
من منظور تربوي، لا تُقاس أهلية الحضانة فقط بدرجة القرابة، بل بالقدرة على الرعاية النفسية، والاستعداد لتقديم الحنان والانضباط والاحتواء.
ويُعد “الترتيب الآلي للحضانة” تهديدًا تربويًا؛ لأنه يمنح الحضانة لمن هو أقرب نسبًا لا لمن هو أنسب تربويًا.
خطر الترتيب الآلي
يمنح القانون الحضانة تلقائيًا حسب التسلسل النسبي، دون النظر إلى الجاهزية النفسية أو التربوية لكل طرف، مما قد يُسلم الطفل إلى بيئة غير مناسبة، ويعرضه لاضطرابات انتماء ومشاعر بالنبذ أو العدوانية. لذلك من منظور تربوى نقترح ما هو فى مصلحة الأطفال.
ضرورة إجراء تقييم نفسي–تربوي للحاضن. الأم أو الأب كثيرا ما نجد غير مؤهل نفسيا لتربية نفس آخرى.
إشراك الطفل في القرار إذا بلغ سنًا مناسبًا. ولا نلتزم ب ١٥ فهو قاسى بالنسبه للأب والأطفال الذين حرموا من احتواء وحنان الأب تحت مظلة القانون.
ثانيًا: الاستزارة
غياب الحميمية في صيغة رسمية قد تغير مصطلح الرؤية إلى الاستزارة.
حدد القانون مدة الاستزارة بـ 10 ساعات شهريًا، و15 يومًا سنويًا، مع إمكانية للرؤية الإلكترونية. وسوف نتناولها من منظر تربوى.
هذه المدد لا تبني علاقة حقيقية بين الطفل والطرف غير الحاضن، بل تجعله مجرد زائر عابر.
وأظهرت الدراسات أن غياب التفاعل المنتظم بين الطفل وأحد الوالدين يسبب قلقًا واضطرابات انفعالية. لذلك نوصى بالتالى :
إعادة تعريف الاستزارة كعلاقة مستمرة، لا موعد مؤقت، مع التوسيع الزمني والتربوي لها.
ثالثًا: الرؤية الإلكترونية
تكنولوجيا لا تربي، أجاز القانون الرؤية الإلكترونية في حالة التعذر أو السفر.
التحليل التربوي:
الرؤية عبر الشاشة لا تنقل الدفء ولا الحميمية، خاصة للأطفال دون العاشرة.
تشير دراسة حديثة إلى أن الأطفال الذين يتواصلون مع أحد والديهم إلكترونيًا فقط، يعانون من فجوة وجدانية وضعف في التعلّق العاطفي.
رابعًا: النفقة والتوثيق
استقرار مادي ونفسي، ألزم القانون الزوج بتوثيق الطلاق خلال 15 يومًا، وربط النفقة بتاريخ الإعلام الرسمي.
التحليل التربوي:
توثيق الطلاق وربط النفقة يحمي الطفل من الفراغ المالي المفاجئ، لكنه يتطلب سرعة التنفيذ لمنع الانعكاسات السلبية على التعليم والصحة النفسية.
التوصية التربوية:
ربط تنفيذ النفقة إلكترونيًا بالرواتب والمعاملات البنكية لتأمين الطفل دون تأخير.
خامسًا: مكان تنفيذ الرؤية
هل هو بيئة آمنة؟ يتم تنفيذ الرؤية في أماكن مثل مراكز الشباب والنوادي.
التحليل التربوي:
هذه الأماكن قد لا تشعر الطفل بالأمان أو الخصوصية، مما يؤثر على استقراره النفسي.
التوصية التربوية:
توفير أماكن مجهزة نفسيًا وبيئيًا تضمن للطفل الخصوصية والانتماء..فلتكن منزل احد الأجداد بالتناوب.
ختامًا..
إن قانون الأحوال الشخصية الجديد، رغم خطواته الإيجابية نحو تنظيم العلاقات الأسرية بعد الطلاق، إلا أنه يحتاج من المشرّع أن يُدخل الرؤية التربوية النفسية في كل نص قانوني يخص الطفل.
فالطفل ليس ورقة تُنقل بين أطراف، بل كائن نامٍ يحتاج الأمان والانتماء والحب المستمر.
ورغم صدور القانون في عام 2025، إلا أنه حتى الآن لم يُفعّل بشكل نهائي، مما يمنحنا فرصة حقيقية كمجتمع تربوي وأسري أن نعيد النظر في بعض مواده بعين تُنصت لما يحتاجه الطفل، لا لما يُرضي الكبار.
لذا نناشد المشرّعين أن يُعطوا لمصلحة الطفل الأولوية، لا في الترتيب فقط، بل في روح القانون نفسه.
ومع كل تعديل تشريعي لا يُراعي وجدان الطفل، تتسع المسافة بينه وبين الشعور بالأمان.
فلا تُلقوا بأبنائكم في هوامش الأحكام، ولا تجعلوا القانون أقوى من الحنان.
بسكوا أبناءكم بالحب، قبل أن تبسطوا لهم حقوقهم بالحبر.
فالعدالة الحقيقية تبدأ من صدر يحتوي، لا من ورقة تُقرأ.
المستشار الاسرى













