مقالات متنوعة
أخر الأخبار

حين يصبح الموت عادة.. وتبقى المحاسبة غائبة

 

في وطنٍ يُفترض أن يحمي أبناءه، صار المواطن يخرج من بيته وهو يودّع أهله كأنه لن يعود.

لم نعد نسأل: “هل وقعت كارثة اليوم؟”

بل أصبح السؤال الطبيعي: “كم عدد الضحايا هذه المرة؟”

الموت لم يعد مفاجئًا، بل صار ضيفًا يوميًا، على طريق، أو في قطار، أو عبر بحر، أو في سيارة متهالكة..

 

لكن المأساة الأكبر أن هذا الموت لا يُقابله عقاب عادل، ولا محاسبة رادعة، ولا حتى اعتراف رسمي بالإهمال.

ومع عدم المساءلة الحقيقة للمسؤولين تتكرر المأسي والحوادث بشكل دائم حتى أصبحت نظام يومي.

 

 مأساة وراء مأساة.. والقلب لم يعد يحتمل، لو تأملنا قليلا أو عدنا إلى الوراء نجد أن الكوارث بدأت منذ العبّارة سالم إكسبريس – ديسمبر 1991 والتي غرقت في البحر الأحمر أثناء عودتها من السعودية.

الضحايا: نحو 470 قتيلًا وأكثر من 180 ناجيًا.

القبطان نجا، ولم يُحاسب أحد.

تم طويّ الملف.. وغرقت معه الكرامة والحق.

 

 قطار العياط – فبراير 2002

اشتعل القطار المتجه إلى أسوان ليلًا، واحترقت عرباته بالكامل.

الضحايا: 361 قتيلًا و66 مصابًا.

السبب؟ أنبوبة بوتاجاز.

النتيجة؟ لا أحد تمت محاسبته رسميًا.

 قطار طوخ – أبريل 2021

خرج عن القضبان أثناء مروره بأعمال صيانة، نتيجة السرعة الزائدة.

الضحايا: 23 قتيلًا و139 مصابًا.

التحقيق شمل 23 متهمًا، لكن القطارات لا تزال تُهدد أرواح الركاب يوميًا.

 

وما جعلنا نفتح هذه الجراح هو حادث اهتزت له مصر باكملها 

 حادث فتيات المنوفية – يونيو 2025

شاحنة دهست ميكروباص يقل 18 فتاة من قرية طملاي بأشمون منوفية 

الضحايا: 18 فتاة وسائق المركبة.

الطريق الإقليمي بلا إشارات ولا رقابة.. رغم تحذيرات الأهالي المتكررة. وحتى لا توجد رقابة على السائقين أين تحليل المخدرات على كل طريق رئيسى؟ أين الرقابة على السائقين؟

 طريق الكريمات – الصف الصحراوي: شريان الموت المفتوح 

 

رغم كونه طريقًا حيويًا يربط محافظات مهمة، تحوّل إلى مسرح دائم للحوادث والمآسي، منها:

أبريل 2023: اصطدام ميكروباص بجرار – 6 قتلى و8 مصابين.

يونيو 2023: انقلاب أتوبيس – 14 مصابًا.

سبتمبر 2024: حادث ميكروباص – 1 قتيل و17 مصابًا.

مارس 2025: انقلاب سيارة – 1 قتيل و3 مصابين.

أبريل 2025: حادث جديد – 11 مصابًا.

أهذا هو الطريق الإقليمي أم طريق الموت!!

 

 مسلسل لا ينتهي

 

كل حادث يُعلن عنه رسميًا، ثم يُنسى بعد 48 ساعة.

كل لجنة يتم تشكيلها لا تُعلن نتائجها.

كل روح تُزهق، لا تجد من يدافع عنها إلا عبر هاشتاغ أو منشور مؤقت.

وكأن الدولة اعتادت فقدان أبنائها.. وكأن الموت الجماعي صار مقبولًا!

 الأعمار بيد الله… لكن الإهمال منّا.

ما الفرق بين القضاء والقدر، والتقصير والإهمال؟

من ترك طريقًا بلا إنارة؟

من سمح بسير شاحنات مخالفة؟

من أهمل صيانة القطارات؟

من أخرّ تركيب إشارات؟

من تجاهل تحذيرات المواطنين؟

من أهمل الكشف على السائقين للمخدرات ؟

كلهم مسؤولون.. بصمتهم، بسكوتهم، بتقاعسهم.

 

 من سيعيد للضحايا حقهم؟

من سيعتذر لأمٍّ أعدّت الغداء ولم تعد ابنتها؟

من سيردّ الكرامة لركاب قطار حُرقوا وهم نيام؟

من سيعيد دماء فتيات المنوفية التي سالت تحت عجلات شاحنة؟ وهم في عمر الزهور، إنهم أمهات المستقب.

قتلتم بدم بارد المستقبل..

من سيوقف نزيف “الكريمات” و”الصف” والمنوفية و”الطريق الإقليمي”؟ من سيوقف حوادث الطرق التي أصبحت جزء أصيل من حياتنا اليومية؟!

 كفى!

لا نريد لجنة جديدة.

لا نريد تصريحًا باهتًا.

لا نريد زيارة مفاجئة لمسؤول بعد الحادث.

لا نريد الشعارات كاذبة والوعود بتعويضات. نقودكم لا تعيد الروح لبيت فقد جزء من روحه.

نريد محاسبة فعلية، وهيكلة فورية، وقوانين تنقذ لا تُجمّل.

 

 

نداء من قلب كل أم وكل مواطن

 

 أوقفوا هذا الموت المعلّب المغلف بكلمة القدر .

أوقفوا هذه الطرق التي تحصد الأرواح.

أوقفوا التساهل الذي يقتلنا بالتقسيط.

هذه الطرق متى ينتهي إصلاحها؟ هل عند فناء الجميع؟!

أوقفوا الصمت..7 واسألوا أنفسكم بصدق:

“مين هيحاسب مين؟”

 

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي