
وَلَاءُ وَالسَّيِّدُ بَلَاءٌ (1)
بقلم:ولاء البهنساوي
وَلَاءُ وَالسَّيِّدُ بَلَاءٌ
(1) (وَأَوَّلُ اللِّقَاءِ)
〰️〰️〰️
🌌 قُدِّرَ لِبَعْضِ النُّفُوسِ أَنْ تَعْبُرَ سَطْحَ الْحَيَاةِ إِلَى عُمْقِهَا،
وَأَنْ تَلْقَىٰ فِي طَرِيقِهَا مَنْ لَا يُرِيهَا النُّورَ فِي نِهَايَةِ النَّفَقِ،
بَلْ يُرِيَهَا النَّفَقَ نَفْسَهُ.. وَيُعَلِّمُهَا كَيْفَ تَسِيرُ فِيهِ.
كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُرَاقِبُنِي مِنْ بُعْدٍ، يُرْسِلُ إِلَيَّ أَوَّلَ أَبْوَابِ الْخَبْطِ..
لِيَكُونَ اللِّقَاءُ الأَوَّلُ، مَعَ السَّيِّدِ (بَلَاءٌ).
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَانَ الصَّمْتُ يَحُومُ حَوْلِي، وَثِقْلٌ غَامِضٌ يُرَابِطُ فِي صَدْرِي.
كُنْتُ وَحْدِي أُقَلِّبُ مَا فِي نَفْسِي، وَأُدَوِّنُ بِقَلَمٍ مُرْتَجِفٍ كَلِمَاتٍ لَا أَفْهَمُهَا،
حَتَّىٰ سَمِعْتُ طَرَقَاتٍ خَفِيفَةً عَلَىٰ الْبَابِ…
تَوَقَّفَ كُلُّ شَيْءٍ.
(فَتَحْتُ الْبَابَ بِتَرَدُّدٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ وَقُورٍ، تَسْكُنُ عَيْنَيْهِ هَيْبَةٌ وَسَكِينَةٌ.)
لَمْ يَنْطِقْ فِي الْبِدَايَةِ، وَلَكِنَّهُ نَظَرَ إِلَيَّ نَظْرَةً عَجِيبَةً، كَأَنَّهُ يَعْرِفُنِي..
قُلْتُ بِخَفَرٍ:
“مَنْ أَنْتَ؟!”
فَأَجَابَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَحْمِلُ مَهابَةَ مَن يَعْرِفُ سِرَّ الوُجُودِ:
“فِي كُلِّ حَيَاةٍ، يَأْتِي بَلَاءٌ.. وَفِي جُعْبَتِهِ سِرٌّ مَكْنُون.”
وَأَنَا ذَلِكَ الزَّائِرُ الَّذِي لَا يَأْتِي إِلَّا لِيُعَلِّمَ، وَلَا يَمْضِي إِلَّا وَقَدْ غَيَّرَ شَيْئًا فِي النُّفُوسِ…”
“قَدْ يُسَمُّونِني بَلَاءً…
وَلَكِنِّي أُفَضِّلُ أَنْ تُسَمِّيَنِي: رِسَالَةٌ مِنَ الرَّحِيمِ، فِي لِبَاسٍ قَاسٍ.”
“أَنَا… السَّيِّدُ (بَلَاء).”
قُلْتُ وَفِي نَبْرَتِي دَهْشَةٌ مَخْلُوطَةٌ بِالْعِتَابِ:
“لِمَ أَتَيْتَ؟!”
فَتَبَسَّمَ وَقَالَ:
“أَمُسْتَاءَةٌ أَمْ مُتَسَائِلَةٌ؟!”
فَقُلْتُ:
“بَلْ مُتَسَائِلَةٌ؛ وَلَكِنْ، لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي…”
قَالَ:
“أَوَّلًا، فَلْتَعْلَمِي أَنِّي لَمْ آتِكِ عَبَثًا…
أَنَا مِنَ الرَّسَائِلِ الْقَدَرِيَّةِ، أَجِيءُ حَامِلًا فَوَائِدَ وَأَسْرَارًا،
لَا يَكْشِفُهَا إِلَّا مَنْ تَدَبَّرَ فِيمَا أَتَيْتُ بِهِ…”
ثُمَّ قَالَ:
“سَأَكْشِفُ لَكِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَنْ فَائِدَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ،
بَشَرْطِ أَنْ تَعِدِينِي بَعْدَ كُلِّ لِقَاءٍ أَنْ تَزْدادِي رِضًا،
وَلَا تَسْتَائِي مِنِّي.”
فَقُلْتُ:
“أَعِدُكَ، وَلَكِنِّي أَخْبَرْتُكَ أَنِّي لَسْتُ بِمُسْتَاءة.”
قَالَ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ الْعِلْمَ وَالْعَجَبَ:
“أَرْجُو ذَلِكَ.”
ثُمَّ بَدَأَ الدَّرْسُ الْأَوَّلُ…
سَأَكْشِفُ لَكِ عَنْ أُنَاسٍ ثَابِتِينَ كَالْجِبَالِ.. هُمْ كَالذَّهَبِ، بَلْ هُمْ أَشَدُّ نَقَاءً، لِتَزْدَادِي تَمَسُّكًا بِهِمْ،
وَلِتَحْمَدِي اللَّهَ عَلَيْهِمْ.
وَسَأَكْشِفُ لَكِ عَنْ آخَرِينَ هُمْ كَالرِّيشَةِ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ، ظَنَنْتِهِمْ مُقَرَّبِينَ،
فَتُبْصِرِينَ مَكَانَتَكِ الْحَقِيقِيَّةَ فِي قُلُوبِهِمْ، لِتُرَتِّبِي قَائِمَتَكِ مِنْ جَدِيدٍ.”
ثُمَّ نَظَرَ نَحْوِي وَقَالَ:
“وَسَأَكُونُ سَبَبًا فِي لِقَائِكِ بِأُنَاسٍ رَائِعِينَ، تَجَرَّعُوا نَفْسَ كَأْسِكِ،
وَسَارُوا فِي دَرْبِكِ، وَلَوْلَايَ مَا كُنْتِ لِتَرَيْهِمْ…
فَاحْفَظِيهِمْ كَاللُّؤلُؤِ، وَلَا تَفْقِدِي نِعْمَةَ مَعْرِفَتِهِمْ.”
ثُمَّ نَهَضَ وَاتَّجَهَ نَحْوَ الْبَابِ.
وَقَبْلَ أَنْ يُوَارِي وَجْهَهُ، التَفَتَ إِلَيَّ وَهَمَسَ،
كَمَنْ يُسْقِطُ كَلِمَةً فِي بِئْرٍ عَمِيقٍ:
“فِي الْمِحْنَةِ… تَتَمَيَّزُ الْجَوَاهِرُ مِنَ الْحَصَى…”
“فِي الْمِحْنَةِ… تَتَمَيَّزُ الْجَوَاهِرُ مِنَ الْحَصَى…”
“تَتَمَيَّزُ الْجَوَاهِرُ مِنَ الْحَصَى…”
“المِحْنَةُ مِرآةٌ.. لِمَا كَانَ يُخْفِيهِ القُرْبُ وَالوُدُّ الكَاذِبُ.”
“المِحْنَةُ مِرآةٌ.. لِمَا كَانَ يُخْفِيهِ القُرْبُ وَالوُدُّ الكَاذِبُ.”
(تَرَاجَعَ صَوْتُهُ فِي الْمَكَانِ كَصَدًى رَقِيقٍ، يَتَرَكَّضُ عَلَى جُدْرَانِ رُوحِي…).
بَعْدَ أَنْ أَغْلَقْتُ الْبَابَ وَانْصَرَفَ السَّيِّدُ (بَلَاءٌ)،
بَقِيتُ لَحْظَةً أُحَاوِلُ لَمْلَمَةَ أَثَرِهِ الَّذِي عَبَقَ فِي الْمَكَانِ…
مَشَيْتُ بِهُدُوءٍ نَحْوَ رُكْنٍ صَغِيرٍ فِي غُرْفَتِي، وَأَخَذْتُ دَفْتَرًا عَتِيقًا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ سِوَايَ…
كَانَ مَلَاذِي وَمَرْسَايَ، فَتَحْتُهُ ثُمَّ
مَدَدْتُ يَدِي بِتَرَدُّدٍ، كَمَنْ يَسْتَعِدُ لِمُوَاجَهَةِ نَفْسِهِ.
أَمْسَكْتُ قَلَمِي العَتِيقَ…
ذَاكَ الَّذِي كَتَبَ أَفْرَاحِي وَأَوْجَاعِي، وَفَتَحْتُ سِفْرَ الأَسْرَارِ.
تَنَفَّسْتُ بِعُمْقٍ، وَانْحَنَيْتُ عَلَى الصَّفْحَةِ، وَبَدَأْتُ أَكْتُب…
كَمَنْ يَنْقُشُ عَلَىٰ جِدَارِ قَلْبِهِ، لَا عَلَىٰ وَرَقٍ.
كُلُّ كَلِمَةٍ كَانَتْ خُطْوَةً فِي طَرِيقِ الْفَهْمِ… وَكُلُّ جُمْلَةٍ، نَفَسًا مِنْ رَوْحِ الْحِكْمَةِ.
وَكَتَبْتُ فِي أَعْلَى الصَّفْحَةِ:
“صَدَى اللِّقَاءِ…”
🖊️✨فِي المِحْنَةِ…
لَمَحْتُ لُؤْلُؤًا كَانَ يُحَاوِطُنِي، وَأَنَا غَافِلَةٌ عَنْ بَهَائِهِ.
🖊️✨وَفِي المِحْنَةِ…
سَقَطَتْ أَقْنِعَةٌ كُنْتُ أَظُنُّهَا وُجُوهًا.
السَّيِّدُ (بَلَاءٌ) لَمْ يَكُنْ ثَقِيلًا كَمَا خِلْتُه…
بَلْ كَانَ رَسُولًا، تَنَكَّرَ فِي هَيْئَةِ أَلَم.
وَلَوْلَاهُ… مَا كُشِفَتِ الحَقَائِقُ، وَلَا نَضَجَتِ الرُّؤْيَا.
✧
أَغْلَقْتُ سِفْرَ الأَسْرَارِ بِبُطْءٍ… كَمَنْ يُوَدِّعُ مَرْحَلَةً قَدِيمَةً،
وَيَفْتَحُ بَابًا لِبِدَايَةٍ جَدِيدَة.









