مقالات متنوعة
أخر الأخبار

أبناء المغتربين بين اختلاط الهوية وازدواجية الانتماء

أبناء المغتربين بين اختلاط الهوية وازدواجية الانتماء

 

حينما يختار الأهل أن يغادروا وطنهم طلبًا للرزق أو الدراسة أو الاستقرار المؤقت، لا يدرك كثير منهم أن الحقيبة التي يرحلون بها لا تحمل ملابسهم وحسب، بل تحمل معها بذور هويةٍ مزدوجة ستتفتح لاحقًا في وجدان أبنائهم.

 

إن مشاعر أولاد المغتربين خليط معقد من الانتماء والاغتراب في آنٍ معًا. فهم من جهة يعيشون طفولتهم في مجتمع يختلف ثقافيًا ولغويًا وعاداتيًا عن جذورهم الأصلية، ومن جهة أخرى يجدون أنفسهم مطالبين بالحفاظ على لغة أهلهم، وعاداتهم، وأعيادهم، وحتى لهجتهم.

 

يترعرع هؤلاء الأطفال بين مدرستين: الأولى هي المدرسة الرسمية التي تحتضنهم في الدولة المستضيفة بلغتها وثقافتها وقيمها، والثانية هي «مدرسة البيت» التي يحاول فيها الأهل تعويض ما قد يفقدونه من هويتهم الأصلية،يتعلم الطفل كيف ينطق بلغتين، كيف يحتفل بعيدين، وكيف يشرح مرارًا لرفاقه في المدرسة لماذا يأكل طعامًا مختلفًا، أو يصوم في وقتٍ غير وقتهم، أو يرتدي ملابس قد تبدو غريبة في عيونهم.

 

هذا الاختلاط في الهوية له وجهان؛ إيجابي وسلبي…فمن الإيجابيات أن أبناء المغتربين غالبًا ما يتمتعون بقدرات لغوية عالية، ومهارات تواصل متعددة الثقافات، وقدرة أكبر على التكيف والانفتاح وتقبل الآخر، إنهم يجسدون جسورًا حية بين حضارتين أو أكثر، وكثيرًا ما يصبحون أكثر استعدادًا للعمل أو الدراسة أو السفر في دول أخرى لاحقًا لأن الغربة ليست فكرةً مخيفة لديهم، بل جزءٌ من تكوينهم.

 

لكن الجانب المظلم لهذه الثنائية هو شعور بعضهم الدائم بأنهم «ليسوا من هنا تمامًا ولا من هناك كليًا». قد يشعرون أحيانًا بالغربة المزدوجة: ففي بلد الإقامة ينظر إليهم البعض كغرباء أو «مهاجرين»، وحين يزورون بلدهم الأم يكتشفون أنهم فقدوا بعض التفاصيل الصغيرة التي تجعل الانتماء كاملاً،قد يواجهون صعوبة في التواصل بلغتهم الأم بطلاقة، أو يجهلون بعض العادات، فيُنظر إليهم أحيانًا وكأنهم «غرباء في وطنهم».

 

إن مهمة الأهل هنا دقيقة،فبين الحفاظ على الهوية الأصلية والانفتاح على المجتمع المضيف تكمن معادلة التوازن. هناك أسرٌ تنجح بجدارة حين تجعل أطفالها يشعرون بالفخر بجذورهم دون أن يشعروا بأن تلك الجذور تُقيّدهم أو تجعلهم أقل انتماءً لوطن الإقامة، وهناك أسرٌ تنشغل بتفاصيل الحياة اليومية وتغفل عن أن الطفل قد ينمو على حافة الهويتين بلا يقين واضح لمن يكون حقًا.

 

في النهاية، أبناء المغتربين ليسوا ضحايا حتميين للازدواجية؛ بل قد يكونون نماذج حية لقدرة الإنسان على جمع الثقافات وصنع هوية غنية متعددة الأبعاد، كل ما يحتاجونه هو دفء الانتماء الأسري، وفرصة التعبير عن مشاعرهم دون خوف، ومساحة حرة ليختاروا لأنفسهم كيف يريدون أن يكونوا «من هنا وهناك معًا» دون أن يشعروا بأن عليهم التضحية بجزء من ذواتهم ليكسبوا الآخر.

د. نهال عزمي

نهال عزمي كاتبة صحفية بجريدة العدد الأول، تجمع بين الخبرة التربوية العميقة والقدرة البحثية المتقدمة، تحمل درجة الماجستير، وتعد حالياً أطروحة الدكتوراه، في مناهج وطرق التدريس قسم اللغة العربية، تمتلك خبرة تفوق 20 عامًا، في التعليم والتطوير المهني، لها مشاركات بحثية في الذكاء الاصطناعي والتعددية الثقافية، تسهم بخطاب صحفي متخصص، يعزز قضايا اللغة والتعليم في البيئات متعددة اللغات.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي