حتى الوحوش.. كانت يومًا بشرًا يُحِبّون الحياة
ميدوسا.. حين تُقلب الضحية إلى وحش –آن أوان إعادة التفكير

ميدوسا.. حين تُقلب الضحية إلى وحش – آن أوان إعادة التفكير
“حتى الوحوش.. كانت يومًا بشرًا يُحِبّون الحياة.”
كتبت: د. مروة حمدي
في سرديات الأسطورة الإغريقية، يظهر اسم “ميدوسا” ككابوسٍ يُروى على الألسنة، وشبحٍ يُخيف الأطفال في المخيّلة القديمة. امرأةٌ شعرُها أفاعٍ، ونظرتها تحوِّل الكائنات إلى حجر، و كما يشير منظّرو السرد المضاد في الدراسات الثقافية، فإنّ تفكيك الحكايات الموروثة وإعادة بنائها من موقع الضحية هو خطوة في مسار الوعي النقدي، وإحياء للعدالة الرمزية حيث تسكن قضية وجودية مؤلمة..
ماذا يحدث حين يُدانُ الإنسان لا لذنبٍ فعله، بل لضعفه، لوقوعه، لجرأته على أن يكون ضحية؟

ميدوسا لم تكن شيطانًا وُلد في الظلام، بل روحًا بريئة وُلدت في الضوء، كاهنةً نذرت العِفّة في معبد أثينا، قبل أن تنكسر يدها المرتجفة تحت وطأة إلهٍ (يعتقد فيه اللإغريق )متغطرس –بوسيدون– لم يردعه قداسة المكان ولا هشاشة الجسد.
لكنها لم تلقَ عدلًا، بل لُعنة، حين قررت أثينا معاقبة الضحية، لا المعتدي. فكان التحوّل: من إنسانةٍ إلى “مسخ”، من كاهنة إلى مرآةٍ للغضب.
لكن.. هل ميدوسا وحدها؟
أم أنّها رمزٌ لكلّ من تمّت محاكمته بعيون الجماعة، لا بميزان العدل؟
في مجتمعاتنا، لا تزال البنية الذهنية تحمل البذور نفسها: لوم الضحية وتمجيد المعتدي لقوته في الذاكرة الوجودية، الخوف من مواجهة الحقيقة، لأنّها تُزعزعُ راحة العلقلية الجمعية وهو ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـميل لوم الضحية (Victim Blaming Bias)، حيث يُفضّل العقل الجمعي الاعتقاد بأنّ الضحية تستحق ما جرى لها، كي لا يواجه هشاشة العالم أو احتمالية أن يكون أيّ فرد معرضًا للخطر.

عبر العصور، تحوّلت ميدوسا إلى أيقونة تُثير الخوف، لكنّي اليوم أسلط الضوء عليها كما في لوحة الفنانة الأمريكية لويز بورجوا التي رسمت ميدوسا بوجهٍ نسائي يتحدى الذكورة الرمزية، لأنها لم تعد الوحش الذي يخيف، بل المرأة التي تمّ خذلانها، وعُوقبت على ما لا ذنب لها فيه.
في نظراتها الصلبة لم يكن هناك غضبٌ وحسب، بل صرخةُ من لم يجد العدالة.
لقد باتت ميدوسا رمزًا ثقافيًّا معاصرًا لكلّ امرأةٍ حوربت لأنها تجرّأت أن تحكي، أن ترفض، أن تقف في وجه السلطة المزدوجة (الآخر- الصمت) هنا تتجلّى اللمسة الوجودية في القصة:
إنّ ميدوسا ليست حكاية عن الأفاعي ولا العيون القاتلة، بل عن الخذلان الأصلي، عن النقطة التي فيها يتراجع المجتمع عن إنسانيته ليحفظ صورته.
هي سؤال مفتوح في وجه العالم: ماذا نفعل بمن يتعرّض للظلم؟ هل نضمد جرحه أم ندينه لأنه جُرِح؟ هل نراه إنسانًا، أم عبئًا على خطابنا النظيف؟
في التاريخ الفنّي، احتضن الفنانون ميدوسا لتعميق تأويلها:
في مجلس البرجوازيين، رسم كارافاجيو في عام 1597 دمعتها ونظرتها على درع خشبي، كأنها مرآة تنعكس فيها ردة فعلنا من القسوة.
ثم أبدع البرجيني تمثالًا رخاميًا تقريبا عام 1640 يتجسّد فيه الحجر ذاته كشكل حي، تعبيرًا عن لعبة الحياة والجمال.
وفي عصرنا، قلب لوتشيانو جرباتي السرد: قدم نحتًا عامم 2008 مثّل دوسا ترفع كرمزٍ لاسترداد الكرامة ، وحتى علامة ڤيرساتشي الأنيقة استعادت صورتها كإيقونة للإغواء والخطر، بعيدًا عن الأوصاف الوحشية.
في مدينتي الفاضلة، الوعي الوجودي لا يقبل الصمت. هو يصرخ، يُقلِق، يكشف هشاشة السرديات؛ ولذلك فقد آن الأوان أن يُعيد المجتمع التفكير في العقلية الجمعية التي تَحكم الأحكام، وتعيد إنتاج الوحوش من ضحاياها. العقل الجمعي ليس قدَرًا، بل اختيارٌ قابل للتغيير. الصمت لم يعد رفاهية، ولا الحياد خيارًا أخلاقيًّا.

لم تعد ميدوسا تنتمي للأسطورة.. بل لنا، ربما لو استطعنا أن ننظر في عيني ميدوسا دون أن نتحجّر لا لنموت بل لنستيقظ ، لرأينا فيها وجه كلّ من خُذل.
وسؤالي لنا أعزائي القراء..
هل نُفضّل رواية الوحش لأنها تريحنا من مسؤولية التعاطف؟ أم أننا نخشى رؤية الإنسان في الضحية، لأنّ ملامحه تشبهنا أكثر مما نودّ أن نصدّق؟
وختام قولي..
الإنسان ليس ما حدث له، بل ما قرّر أن يكون بعد ذلك، والمجتمع، أيضًا، ليس ما توارثه، بل ما يختار أن يُعيد النظر فيه.
لقد آن الأوان لتفكيك البنية العقلية التي تسجن الإنسان داخل “نظرة الجماعة”. آن أوان بناء عقل جمعي جديد: عقلٌ يعترف بالألم، لا يُخفيه. عقلٌ يُصغي، لا يُعاقِب.
إنّ الوحش الحقيقي ليس في عيني ميدوسا.. بل في العين التي رفضت أن تراها إنسانة.”













