
وطن من نبض
بقلم: مراكشي رهواجة
تتلاقى القلوبُ الحيّة لا بموعدٍ، ولا بصدفةٍ عابرة، بل كأنّ نداءً سريّاً يتردد في عمقِ الصلصالِ الواحدِ فيجمعها. تلتقي عاريةً من الأسماء، مبرّأةً من الانتماءات، وقبل أن يتعلّم العالمُ الحاقدُ كيفَ يُجزّئُ الأشياء.
وطن من نبض
هناك، لا حدودَ تُحدّ، ولا مسافاتٍ تبعد؛ بل يصيرُ اللقاءُ وطناً عصيّاً على السكن، ومأوًى مقدساً كلّما ضاقت الأرضُ بما رحبت على أهلها. ومن رَحمِ هذا العِناق، تولدُ لغةٌ بكماءُ عن الصوت، تترفّعُ عن التفسير؛ لغةُ من أنصتَ إلى الصمتِ دهراً حتى هجرَ الضجيج، واعتكفَ في محرابِ الذهولِ حتى غدا الفهمُ لديه أعمقَ من بليغِ الكلام.
نعم… خُطّت الخرائطُ بدمِ البدايات، وتشعّبتِ السبلُ، وارتفعتِ الراياتُ الغريبة، وتناسلَ الخوفُ في العروقِ حتى استحالَ قانوناً يُطاع.
لكنّ الحبَّ ظلّ صامداً، لا كخاطرةٍ تلوحُ وتغيب، بل كاختبارٍ أزليٍّ للروح؛ كحبلِ الوريدِ يلتفّ حولَ العُنق، قريباً حدَّ الوجع، يشدّ الإنسانَ إلى أخيه الإنسان، رغماً عن سوادِ اللون، وزيفِ الاسم، ورغم كلّ الأباطيلِ التي لقّنوها لنا عن الاختلاف.
أفلا يكونُ هذا القربُ الجارف، وهذا العبءُ المقدّسُ في الاختيار، وهذا العجزُ الطاهرُ عن كراهيةِ الآخر… هو السؤالُ الأوحدُ والحقيقي؟
ذلك السؤالُ الوجوديّ الذي لا يُجابُ عنه بالحروف، بل يُعاشُ بالأنفاس؛ ويخبو بريقُه في صدرِ كلِّ مَن لم يجرؤ يوماً أن يرى مرآةَ قلبِه… في قلبِ غيرِه.













