أدبي
أخر الأخبار

ذكريات شعرية على ضوء الشموع… وقصيدة لا تُنسى

 

ذكريات شعرية على ضوء الشموع.. وقصيدة لا تُنسى

نقلاً عن والدي – رحمه الله – الذي كان محبًّا للشعر، وذو ذائقة أدبية رفيعة، أكتب لكم اليوم عن إحدى أجمل اللحظات التي لا تزال عالقة في ذاكرتي منذ الطفولة.

 

كان والدي، كلما انقطعت الكهرباء، يجمعنا حوله في جلسة دافئة، وبدلاً من أن نرتبك من الظلام، كنا ننتظر تلك اللحظة بشغف، لأنه كان يفتتحها بسلسلة من الفوازير الشعرية التي كان يؤلفها أو ينقلها بحب،

 

ويمنحنا جائزة رمزية لمن يجيب أو يفسر بشكل صحيح، فيغرس فينا حب اللغة، ويشعل في قلوبنا جذوة الأدب منذ الصغر.

 

وفي إحدى تلك الليالي، أتحفنا بقصيدة غريبة في بنائها، مدهشة في تركيبها، تحمل من التلاعب اللغوي ما يفوق خيال طفل صغير، لكن جمالها شدّنا رغم صعوبة فهمها حينها.

كانت القصيدة بعنوان:

طرقت الباب حتى كلّ متني
فلمّا كلّ متني كلّمتني
فقالت: يا إسماعيل صبرًا
فقلتُ: يا اسما عيّل صبري

 

كنا نحاول تكرارها، نُخطئ أحيانًا، ونضحك كثيرًا، لكن الوالد – رحمه الله – كان حريصًا على أن يشرح لنا سحر اللغة العربية في هذه الأبيات.

 

ويعلّمنا أن جمال الشعر لا يكمن فقط في معانيه، بل في إيقاعه ونطقه الصحيح، وأن بيتًا واحدًا قادر على اختبار قدراتنا في التذوق والفهم والتركيب.

 

ثم روى لنا أن صاحب هذه القصيدة هو الشاعر الكبير إسماعيل صبري باشا، أحد أعلام مدرسة الإحياء والبعث في الشعر العربي الحديث، والذي كان يُلقب بـ”شيخ الشعراء”.

 

ولد صبري عام 1854م في القاهرة، ودرس الحقوق في فرنسا، ثم عمل في سلك القضاء وتولى مناصب حكومية رفيعة، كان آخرها محافظ الإسكندرية قبل أن يُحال إلى المعاش سنة 1907، وتوفي عام 1923م.

 

 

كانت هذه الأبيات نتاج لحظة طريفة، حيث وقف الشاعر على باب بيته ولم تتمكن شقيقته “أسما” من سماعه، فتلا هذه الأبيات ذات التراكيب اللفظية المعقدة، لتظهر عبقرية التلاعب الصوتي والمعنوي، بين الكلمات المتشابهة لفظًا والمختلفة تركيبًا.

 

اليوم، وبعد سنوات طويلة، أستعيد تلك اللحظة، لا كذكرى فحسب، بل كدرسٍ دائم في قيمة اللغة، وأثر التربية الأدبية داخل البيت، وكيف يمكن لوالدٍ محب للشعر أن يُشعل في أبنائه حب الكلمة ودهشة الحرف.

 

رحم الله والدي، ورحم إسماعيل صبري، ودام الأدب حيًّا في القلوب قبل الكتب.

د. عبير جبر الأكوح

د. عبير جبر الأكوح، قائدة متميزة، تحمل بكالوريوس علوم عسكرية (1992) وبكالوريوس إدارة أعمال، إلى جانب دراسات متقدمة في القانون الدولي. تبوأت مناصب قيادية وأسست مؤسسات تعليمية وخيرية، وتشغل حالياً منصب المدير التنفيذي لمؤسسة "الأيدي الرحيمة" في المنطقة الشرقية بليبيا. لديها خبرة في الاستثمار العقاري وتحمل رخصًا مهنية من مصر وليبيا، كما أنها عضوة نشطة في مركز كيمت للتحكيم. شاركت في مؤتمرات دولية وإقليمية كبرى، أبرزها فعاليات جامعة الدول العربية ويوم القانون العالمي. تهتم بقضايا تمكين المرأة، وتمارس هوايات متنوعة تشمل الكتابة والرماية وركوب الخيل، ما يعكس شخصيتها المتكاملة والثرية. محررة صحفية بجريدة العدد الأول.
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي