أدبيثقافةمقالات متنوعةنثر

أمينة… قلب لا يعرف الاستسلام _ بقلم وفاء ممدوح

أمينة… قلب لا يعرف الاستسلام

بقلم: وفاء ممدوح

 

في حي شعبي بسيط، حيث تختلط أصوات الباعة بروائح الخبز الطازج، وتمر العربة الكارو أمام أبواب البيوت القديمة، كانت تعيش أمينة مع عائلتها. كانت فتاة معروفة بين جيرانها بابتسامتها التي لا تفارقها رغم بساطة الحال، ويدها الماهرة في كل ما يخص البيت.

التقت أحمد لأول مرة في فرح أحد الأقارب. لم يكن اللقاء رومانسيًا كما في الأفلام، لكنه كان مليئًا بالصدق. تحدثا دقائق قليلة عن الحياة والأحلام، فاكتشفت فيه رجلًا طيب القلب، مجتهدًا في عمله، طامحًا إلى بناء حياة مستقرة. لم تمر أشهر حتى كان عقد قرانهما يتم في بيت العائلة، بحضور الأهل والأصدقاء.

كانت شقة الزوجية في الدور الرابع، سلالمها ضيقة، جدرانها متشققة، وأثاثها خليط من قطع قديمة أُهديت لهم من هنا وهناك. لكن بالنسبة لأمينة وأحمد، كانت هذه الجدران بداية مملكتهما الصغيرة. في أول ليلة، جلسا على الأرض يتناولان العشاء من طبق فول واحد، وتحدثا عن أحلامهما: متجر صغير، أولاد متفوقون، وبيت واسع يطل على الشارع الكبير.

الأيام الأولى كانت جميلة، لكنها لم تخلُ من التحديات. كان مرتب أحمد بالكاد يكفي الإيجار وفاتورة الكهرباء وقليل من الطعام. تعلمت أمينة كيف تدير القليل بحكمة، وكيف تحول أي وجبة بسيطة إلى وليمة بروحها المرحة.

ثم جاءت أول عاصفة في حياتهما. كان ابنهما الأول يوسف لم يتجاوز العامين حين أصيب بمرض مفاجئ في ليلة شتاء قارسة. هرع أحمد به إلى المستشفى، بينما كانت أمينة خلفه ترتجف من الخوف. كان المستشفى مكتظًا، والدواء المطلوب نادرًا.

بعد بحث طويل، عاد أحمد به في الصباح، مرهقًا لكنه مطمئن لأن يوسف بدأ يتعافى. في تلك الليلة، قال لأمينة بصوت مبحوح:

“وعد… هشتغل أكتر علشان ما نشوفش الأيام دي تاني.”

مرت الأعوام، وبدأ أحمد في مشروعه الأول: محل أدوات كهربائية صغير. كانت فرحتهما لا توصف يوم افتتاحه، لكن السوق لم يكن رحيمًا. الركود ضرب التجارة، والديون تراكمت، وأحمد بدأ يشعر بثقل الهزيمة.

في إحدى الليالي، وجدته جالسًا في الظلام، رأسه بين يديه. اقتربت منه أمينة، وضعت يدها على كتفه وقالت بهدوء:

“إحنا لسه عايشين، ولسه قادرين نحلم… ده كفاية علشان نقف تاني.”

لم تكن الكلمات وحدها هي الدعم، بل أفعالها. حين أصيب أحمد في الورشة بجرح في يده جعله يتوقف عن العمل، تحولت أمينة إلى العمود الفقري للأسرة. بدأت تخبز وتبيع للجيران، تصلح الملابس مقابل أجر بسيط، وتعتني بالأولاد وتدير كل شيء بنفسها. كانت أيامًا مرهقة، لكن عينيها كانتا دائمًا تحملان عزيمة صامتة.

تعافى أحمد، وقررا معًا إعادة فتح المحل بخطة جديدة. تعلمت أمينة أسرار البيع والشراء، وأصبحت تذهب مع أحمد لاختيار البضاعة. بالتدريج عاد الزبائن، وجاء اليوم الذي باع فيه أحمد صفقة كبيرة جعلته يعود إلى البيت وهو يضحك كطفل. جلسوا في المساء يأكلون بسبوسة اشتروها خصيصًا للاحتفال، بينما قال يوسف:

“أمي وأبي أحسن فريق في الدنيا.”

كبر يوسف وأخته سارة، وتفوقا في الدراسة. يوسف التحق بالجامعة، وسارة حصلت على منحة لمدرسة لغات. في إحدى الأمسيات، جلست أمينة معهما وقالت:

“الصبر مش بس إنك تستنى… الصبر إنك تشتغل وتتعب، والباقي تسيبه على ربنا.”

جاءت لحظة الفرح الأكبر حين وقف يوسف في بدلته السوداء، يزف عروسه وسط الزغاريد. كانت أمينة تبتسم، لكن قلبها يعود بها إلى أيام الكفاح، إلى اللحظات التي ظنت فيها أن الأمل بعيد. اقترب يوسف منها، وقبَّل يدها وهمس:

“لو مش كنتي إنتي… مكنتش أنا هنا.”

بعد أسابيع، أخذها يوسف وسارة ومعهما أحمد إلى بناية جديدة. صعدوا إلى الطابق الرابع، ووقفوا أمام باب شقة واسعة. مد يوسف مفتاحًا لأمه قائلًا:

“دي شقتكوا يا أمي… رد بسيط على تعبكوا.”

لم تستطع أمينة أن تمنع دموعها وهي تتجول في الغرف، تتحسس الجدران وكأنها تتأكد أن ما تراه ليس حلمًا.

في المساء، جلس أحمد وأمينة في شرفة الشقة الجديدة، يشاهدان غروب الشمس. قال أحمد:

“كل اللي مرينا بيه… كان يستاهل.”
ابتسمت أمينة:

“كنت عارفة طول الوقت… طول ما إحنا مع بعض، هنعدي أي حاجة.”

هكذا أدركا أن حياتهما لم تكن مجرد سنوات من الكفاح، بل رحلة حب وإصرار، رحلة جعلت كل لحظة تستحق أن تُعاش.

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي