
بقلم: د. أحمد النجار
ما يقرب من ٦٧٠ يومًا من الصمود، بلا حليف ولا معين، تحت حصار خانق، ومعاناة تتجدد كل يوم. ورغم الجراح، ورغم قسوة الحصار، تظل غزة صامدة، شامخة، تقف وقفة عز، تجسد معنى الإيمان الحقيقي بأن النصر صبر ساعة. رضى الله عن غزة وشبابها ونساءها وأطفالها. اللهم سدد الرمى وثبت الخطى.
إن ما يقدمه أهل غزة اليوم من ثبات وصبر ليس مجرد بطولة عابرة، بل هو امتداد لمنهج القرآن الكريم الذي وعد الصابرين والمجاهدين بالعزة والتمكين، قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَموَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
[البقرة: 155].
ولقد علمنا النبي -ﷺ- أن الوقوف في وجه الظلم شرف وعبادة، فقال:
“أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”
[رواه أحمد]
فكيف بمن يقف أمام آلة حرب عاتية، دفاعًا عن الأرض والعرض والكرامة؟
غزة اليوم تُذكّر الأمة ببطولات الصحابة والتابعين، الذين قدّموا أرواحهم وكل غالٍ ونفيسٍ في سبيل الله. فأبو عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، كانوا قدوة في الصبر والثبات أمام عدو يفوقهم عدةً وعددًا، لكنهم كانوا يملكون الإيمان الذي يجعل القليل غالبًا على الكثير. قال تعالى:
﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
[البقرة: 249]
إن النساء اللواتي يصبرن في غزة هنّ على خطى “أم عمارة نسيبة بنت كعب” التي وقفت يوم أحد تقاتل وتداوي الجرحى وتحمل همّ الدعوة والدفاع عن رسول الله -ﷺ.
والأطفال الذين كبروا على أصوات القصف والحصار، هم أبناء أمة علّمها نبيها أن
“المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف”
[رواه مسلم].
ليست غزة قضية جغرافيا أو حدود، بل هي قضية هوية وكرامة وعقيدة، تذكّرنا أن الأمة التي تملك الإيمان لا تُهزم، حتى لو اجتمع عليها العالم.
ختامًا، فإن غزة اليوم تعلمنا درسًا خالدًا.. أن الحياة ليست بطول العمر، ولا برفاهية العيش، بل بوقفة عز يرضى الله عنها ويكتبها التاريخ بمداد الفخر.
فطوبى لأهلها، رجالاً ونساءً وأطفالاً، الذين يثبتون أن دماءهم وقود لنهضة أمة بأكملها، وأن الحصار مهما طال، فإن وعد الله حق:
{وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}
[آل عمران: 139].













