أدبيثقافةمقالات متنوعةنثر

هوامش غير قابلة للطي “كوب قهوة بارد على طاولة مزدحمة”

كوب قهوة بارد على طاولة مزدحمة

هوامش غير قابلة للطي

“كوب قهوة بارد على طاولة مزدحمة”

بقلم: هبة محمد زغلول

كل ما يلي، مجرد محاولة لتثبيت ظلّ عابر قبل أن يذوب.

دخلتُ المقهى أبحث عن ركنٍ أختبئ فيه من ضجيج الخارج، فإذا بي أواجه ضجيجًا آخر في الداخل، حركة كراسي لا تهدأ، ضحكات متقطعة تتداخل مع جدال مرتفع، وصخب موسيقى خلفية لا أحد يصغي إليها فعلًا.

تجولت بعيني بين الطاولات بحثًا عن مقعد شاغر يشبه الاستراحة، فلم أجد إلا واحدة عند الزاوية، جلس عليها كوب قهوة وحيد، بارد، يلمع بخفة تحت الضوء الأصفر.
ترددت: هل تركه أحد وسيعود؟ أم أنه تُرك هناك نسيانًا؟
سحبت الكرسي وجلست أمامه حدقت طويلًا في السطح الداكن وقد تجمد منذ وقت بعيد، بدا مجرد تفصيل عابر، لكنه فضح كل الساعات التي مرت عليه بلا اكتراث.

القهوة التي صُنعت لتُشرب ساخنة، فقدت حرارتها، رغبتها في أن تكون قهوة، وبقيت مجرد سائل ثقيل… لحظة باردة سجنت نفسها في زجاج.

وبينما أحدق فيه، خُيل إلي أنه يخصني أنا، لم يكن مجرد كوب من القهوة، بل مرآة صغيرة لكل ما أجلته في حياتي، مكالمة لم أجرها، كتاب لم أفتحه، كلمات ابتلعتها، وحتى نفسي التي وضعتها طويلًا في طابور الانتظار.

كل ما نؤجله يتجسد على هذا النحو، يبرد حتى ينطفئ، ويصير عادةً باهتة بلا أثر. كالأحلام الصغيرة التي نركنها على الهامش، الوعود التي لم نلتفت إليها، والعلاقات التي تركناها معلقة في زاوية مزدحمة من حياتنا. نُلهي أنفسنا بما نظنه “الأهم”، بينما الأهم حقًا يتبخر بهدوء.

اقترب النادل، حمل الكوب البارد كأنه لم يكن يومًا، مسح أثره عن الطاولة، ووضع زجاجة ماء وكوبًا نظيفًا مكانه.
رأيت مشهدًا لحياتي كلها فالأيام تفعل بنا الشيء نفسه، تمسح آثار ما تركناه، حتى نظن أنه لم يكن أصلًا، وما يبقى إلا مقعد فارغ ينتظر أن نملأه من جديد بما نؤجله… ليبرد هو الآخر.

القهوة الباردة لم تكن خسارة في ذاتها، لكنها تذكير قاسٍ أن الحياة تُشرب ساخنة، في لحظتها. أن التأجيل وهم، فالخسارات الحقيقية لا تصرخ، بل تتسرب بهدوء مثل حرارة تفلت من كوب قهوة، حتى نجد أنفسنا في النهاية أمام برودة كاملة؛ أمام حياة مرت بنا بينما انشغلنا بتأجيلها. فما نؤجله اليوم… يُدفن غدًا كلمات مطفأة، ونبضات بردت قبل أن تُعاش.

نحن لا نخسر دفعة واحدة، بل شيئًا فشيئًا، حتى نحمل في أعماقنا مقابر صغيرة، نخبئها تحت اسم واحد “سأفعل لاحقًا”.

الحياة لا تحدث فقط في الحكايات الكبيرة… بل في الفُتات، في الصمت، وفي العادي جدًا.
لنحتفظ بها كهوامش غير قابلة للطي..

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي