أدبيمقالات متنوعة
أخر الأخبار

نظرية أرسطو للكتابة الابداعية

نظرية أرسطو للكتابة الابداعية

 

استعراض: مصطفى نصر 

 

 نظرية أرسطو للكتابة الإبداعية المثالية تتلخص في بناء الحبكة (الميثوس) كما وردت في كتابه “فن الشعر” (الشعرية).

ويُعدّ أرسطو (384-322 ق.م.) في كتابه “فن الشعر” الحبكة: وترجمتها “الميثوس” أو “الأسطورة” في السياق الدرامي) روح المأساة وجوهرها الأول، ويراها أهم من الشخصيات، اللغة، الفكر، الغناء، أو المنظر.

يقول أرسطو إن المأساة محاكاة لفعل جاد تام، والحبكة هي ترتيب الأحداث التي تحاكي هذا الفعل، لا مجرد سرد قصة.

* معالم النظرية الرئيسية:

تقوم على أهمية الحبكة كأساس للمأساة، فالحبكة هي “نفس المأساة لأنها تمثل الفعل البشري، وبدون حبكة محكمة، لا يتحقق التأثير العاطفي (الكاثارسيس) لتطهير العواطف من الشفقة والخوف.

  * الوحدة والكمال:

   ويرى أنه يجب أن تكون الحبكة وحدة عضوية كاملة: بداية (لا تتبع حدثاً سابقاً ضرورياً)، وسط (تعقيد الأحداث)، ونهاية (حل منطقي). تشبه الكائن الحي العضوي.

ويربط أرسطو بين السببية والاحتمال، لذا فإن الأحداث في القصة أو الرواية يجب أن تترابط بسببية حتمية أو محتملة، لا عشوائية، لذا فهو يرفض الحبكات “الحلقية” أي تلك التي تتتابع بدون رابط منطقي.

وبناء على ما تقدم فإن الحبكة نوعان.. البسيطة والمعقدة:

فالبسيطة تقوم على تغيير حظ واحد دون تحولات كبرى، أما الحبكة المعقدة فمن الأفضل أن تحتوي على التحول وانعكاس الحظ من سعادة إلى شقاء أو العكس، والكشف وهو انتقال من الجهل إلى المعرفة، وغالباً ما يترافق التحول والكشف مع بعضهم في الحبكة لصناعة أقصى تأثير.

  * التغيير في الحظ: 

   الأفضل تغيير من سعادة إلى شقاء لشخصية جيدة نسبياً (ليس شريراً تماماً أو مثالياً)، بسبب خطأ، ليثير الشفقة والخوف.

   * الوحدات:

   يؤكد أرسطو على وحدة الفعل بشكل صريح (فكل الأحداث يجب أن تدور حول فعل واحد)، وهو ما يسمى في النقد الحديث (الوحدة الموضوعية) ويشترط أيضاً وحدة الزمن (فالزمن هو يوم واحد تقريباً) أما وحدة المكان، فهي مستمدة جزئياً من ملاحظاته، لكنها لم تُفرض كقاعدة صارمة.

أرسطو

* نقد النظرية:

رغم تأثيرها الهائل على النقد الدرامي (خاصة في عصر النهضة والكلاسيكية الفرنسية)، تعرضت لانتقادات متعددة:

أولها: التركيز المفرط على الحبكة:

مما يقلل من أهمية الشخصيات والعمق النفسي، ففي الأدب الحديث (مثل روايات دوستويفسكي أو مسرحيات تشيخوف)، غالباً ما تكون الشخصية أو الحالة النفسية أهم من الحبكة المحكمة.

وثانيها: التقيد بالوحدات الثلاث:

 وهي وحدة (الفعل، الزمن، المكان) وقد أُسيء فهم فكرة الوحدات هذه فأصبحت كقواعد صارمة في عصر النهضة (مثل عند كاستلفيترو)، بينما أرسطو أكد وحدة الفعل فقط، ووصف الآخرين.

وانتقد الرومانتيكيون (مثل غوته وشكسبير) هذه الوحدات كقيد للإبداع، مفضلين الحبكات غير الخطية أو المتشعبة.

وثالثها: أخذ عليه النقد الحديث التركيز على المأساة الكلاسيكية، مما جعل النظرية مبنية على مسرحيات سوفوكليس (مثل “أوديب ملكاً”)، ولا تناسب الأدب الحديث أو غير اليوناني، مثل الرواية أو المسرح التجريبي (تيار الوعي، السرد غير الخطي).

ورابعها: التركيز على القيود الأخلاقية والعاطفية مثل إثارة الشفقة والخوف فقط، مما يحد من تنوع العواطف. كما أن تفضيله للحبكة المعقدة يُتهم بالصيغية والفورمة المقيدة للابداع.

   * مما عابه عليها النقاد التأثير التاريخي السلبي، حيث أدى تفسيرها الصارم إلى رفض أعمال عظيمة مثل مسرحيات شكسبير في الكلاسيكية الفرنسية، لعدم الالتزام بالوحدات.

* وختاماً:

مع ما في نظرية أرسطو للكتابة الابداعية من مآخذ، إلا أنها تبقى نظرية أساسية في فهم البناء الدرامي، وتُطبق حتى اليوم في تحليل الأفلام والروايات (مثل نموذج “رحلة البطل”).

وللمزيد حول هذه النظرية يُنصح بقراءة مراجعي لهذا المقال: وهي “فن الشعر” مترجماً (تحقيق عبد الرحمن بدوي أو شكري عياد).

مصطفى نصر

صحفي وباحث متخصص في الأدب والتثقيف، يتمتع بخبرة في العمل الإنساني والتوعية المجتمعية، وله دراسات متعددة في الإعلام والتعليم الإلكتروني. كاتب بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي